ولم يبيّن ذلك ، وكأنه يريد أن قوله :
« وَإِنْ يَتَفَرَّقا »
معطوف على قوله :
« فَلا جُناحَ »
فجاءت الجملتان بينهما اعتراضا ، هكذا قال الشيخ « 1 » وفيه نظر ، فإن بعدهما جملا أخر فكان ينبغي أن يقول الزمخشري في الجميع : إنها اعتراض ، ولا يخص :
« وَالصُّلْحُ خَيْرٌ »
« وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ »
بذلك ، وإنما يريد الزمخشري بذلك الاعتراض بين قوله :
« وَإِنِ امْرَأَةٌ »
وقوله :
« وَإِنْ تُحْسِنُوا »
فإنهما شرطان متعاطفان ، ويدلّ عليه تفسيره له بما يفيد هذا المعنى فإنه قال : « وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض » انتهى . والألف واللام في
« الصُّلْحُ »
يجوز أن تكون للجنس وأن تكون للعهد لتقدّم ذكره نحو :
فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
« 2 » .
و
« خَيْرٌ »
يحتمل أن تكون للتفضيل على بابها والمفضّل عليه محذوف فقيل : تقديره : من النشوز والإعراض ، وقيل :
خير من الفرقة ، والتقدير الأول أولى للدلالة اللفظية ، ويحتمل أن تكون صفة مجردة أي : والصلح خير من الخيور ، كما أنّ الخصومة شرّ من الشرور .
قوله :
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ
« حضر » يتعدى إلى مفعول ، واكتسب بالهمزة مفعولا ثانيا ، فلمّا بني للمفعول قام أحدهما مقام الفاعل فانتصب الآخر . والقائم مقام الفاعل هنا يحتمل وجهين :
أظهرهما - وهو المشهور من مذاهب النحاة - : أنه الأول وهو
« الْأَنْفُسُ »
فإنه الفاعل في الأصل ، إذ الأصل :
« حضرت الأنفس الشحّ » .
والثاني : أنه المفعول الثاني ، والأصل : وحضر الشحّ الأنفس ، ثم أحضر اللّه الشحّ الأنفس ، فلما بني الفعل للمفعول أقيم الثاني - وهو الأنفس - مقام الفاعل ، فأخّر الأول وبقي منصوبا ، وعلى هذا يجوز أن يقال : « أعطي درهم زيدا » و « كسي جبة عمرا » ، والعكس هو المشهور كما تقدّم ، وكلام الزمخشري يحتمل كون الثاني هو القائم مقام الفاعل فإنه قال : « ومعنى إحضار الأنفس الشحّ أنّ الشحّ جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا ينفك » يعني أنها مطبوعة عليه ، فأسند الحضور إلى الشح كما ترى ، ويحتمل أنه جعله من باب القلب فنسب الحضور إلى الشحّ وهو في الحقيقة منسوب إلى الأنفس . وقرأ العدوي : « الشحّ » بكسر الشين وهي لغة . والشّحّ : البخل مع حرص فهو أخص من البخل .
قوله تعالى :
كُلَّ الْمَيْلِ :
نصب على المصدرية ، وقد تقرر أن
« كُلَّ »
بحسب ما تضاف إليه ، إن أضيفت إلى مصدر كانت مصدرا ، أو ظرف أو غيره فكذلك . قوله :
« فَتَذَرُوها »
فيه وجهان :
أحدهما : أنه منصوب بإضمار « أن » في جواب النهي .
والثاني : أنه مجزوم عطفا على الفعل قبله أي : فلا تذروها ، ففي الأول نهي عن الجمع بينهما ، وفي الثاني نهي عن كلّ على حدته وهو أبلغ ، والضمير في « تذروها » يعود على المميل عنها لدلالة السياق عليها . قوله :
« كَالْمُعَلَّقَةِ »
حال من « ها » في « تذروها » فيتعلق بمحذوف أي : فتذروها مشبهة المعلقة ، ويجوز عندي أن يكون مفعولا ثانيا لأن قولك : « تذر » بمعنى « تترك » و « ترك » يتعدّى لاثنين إذا كان بمعنى صيّر .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 364 ) .
( 2 ) سورة المزمل ، الآية ( 16 ) .