الثالث : أنه
« قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ »
، ولا بد من تقدير العائد أيضا أي : قالوا لهم كذا ، و
« فِيمَ »
خبر
« كُنْتُمْ »
، وهي « ما » الاستفهامية حذفت ألفها حين جرّت ، وقد تقدّم تحقيق ذلك عند قوله :
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ
« 1 » الجملة من قوله :
« فِيمَ كُنْتُمْ »
في محل نصب بالقول . و
« فِي الْأَرْضِ »
متعلق ب
« مُسْتَضْعَفِينَ »
، ولا يجوز أن يكون
« فِي الْأَرْضِ »
هو الخبر ، و
« مُسْتَضْعَفِينَ »
حالا ، كما يجوز ذلك في نحو : « كان زيد قائما في الدار » لعدم الفائدة في هذا الخبر .
قوله :
فَتُهاجِرُوا
منصوب في جواب الاستفهام ، وقد تقدّم تحقيق ذلك . وقال أبو البقاء :
« أَ لَمْ تَكُنْ »
استفهام بمعنى التوبيخ ،
« فَتُهاجِرُوا »
منصوب على جواب الاستفهام ، لأنّ النفي صار إثباتا بالاستفهام » . انتهى .
قوله : « لأنّ النفي » إلى آخره لا يظهر تعليلا لقوله « منصوب على جواب الاستفهام » لأن ذلك لا يصحّ ، وكذا لا يصحّ جعله علة لقوله « بمعنى التوبيخ » . و
« ساءَتْ »
: قد تقدم القول في « ساء » « 2 » ، وأنها تجري مجرى « بئس » فيشترط في فاعلها ما يشترط في فاعل تيك . و
« مَصِيراً »
تمييز .
قوله تعالى :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ :
في هذا الاستثناء قولان :
أحدهما : أنه متصل ، والمستثنى منه قوله :
« فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ »
. والضمير يعود على المتوفّين ظالمي أنفسهم ، قال هذا القائل : كأنه قيل : فأولئك في جهنم إلا المستضعفين ، فعلى هذا يكون استثناء متصلا .
والثاني : وهو الصحيح - أنه منقطع ؛ لأن الضمير في
« مَأْواهُمْ »
عائد على قوله :
« إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ »
، وهؤلاء المتوفّون : إمّا كفار أو عصاة بالتخلف ، على ما قال المفسرون ، وهم قادرون على الهجرة فلم يندرج فيهم المستضعفون فكان منقطعا . و
« مِنَ الرِّجالِ »
حال من المستضعفين ، أو من الضمير المستتر فيهم ، فيتعلّق بمحذوف .
قوله :
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
في هذه الجملة أربعة أوجه :
أحدها : أنها مستأنفة جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ما وجه استضعافهم ؟ فقيل : كذا .
والثاني : أنها حال . قال أبو البقاء : « حال مبيّنة عن معنى الاستضعاف » قلت : كأنه يشير إلى المعنى الذي قدّمته في كونها جوابا لسؤال مقدر .
والثالث : أنها مفسرة لنفس المستضعفين ؛ لأنّ وجوه الاستضعاف كثيرة فبيّن بأحد محتملاته كأنه قيل : إلا الذين استضعفوا بسبب عجزهم عن كذا وكذا .
والرابع : أنها صفة للمستضعفين أو للرجال ومن بعدهم ، ذكره الزمخشري ، واعتذر عن وصف ما عرّف بالألف واللام بالجمل التي في حكم النكرات بأن المعرّف بهما لما لم يكن معيّنا جاز ذلك فيه كقوله :
1649 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني * . . . « 3 »
وقد قدّمت تقرير المسألة مرارا .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 91 ) .
( 2 ) انظر الكلام عليها في سورة النساء ، الآية ( 22 ) .
( 3 ) تقدم .