تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
قوله تعالى :
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ :
متعلق بالأمر في قوله :
« آمِنُوا »
، و
« نَطْمِسَ »
يكون متعديا ، ومنه هذه الآية ، ومثلها
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ
« 1 » لبنائه للمفعول من غير حرف جرّ ، ويكون لازما يقال : « طمس المطر الأعلام » و « طمست الأعلام » ، قال كعب :
1599 - من كلّ نضّاخة الذّفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الأعلام مجهول « 2 »
وقرأ الجمهور :
« نَطْمِسَ »
بكسر الميم ، وأبو رجاء بضمها ، وهما لغتان في المضارع . وقدّر بعضهم مضافا أي : عيون وجوه ، ويقوّيه أنّ الطمس للأعين ، قال تعالى :
لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ
« 3 » . وقوله :
عَلى أَدْبارِها
فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلق ب « نردّها » . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف ؛ لأنه حال من المفعول في « نردّها » قال أبو البقاء ، وليس بواضح . قوله :
أَوْ نَلْعَنَهُمْ
عطف على
« نَطْمِسَ »
، والضمير في
« نَلْعَنَهُمْ »
يعود على الوجوه ، على حذف مضاف إليه » ، أي : وجوه قوم ، أو على أن يراد بهم الوجهاء والرؤساء ، أو يعود على الذين أوتوا الكتاب ، ويكون ذلك التفاتا من خطاب إلى غيبة ، وفيه استدعاؤهم للإيمان ، حيث لم يواجههم باللعنة بعد أن شرّفهم بكونهم من أهل الكتاب . وقوله : و
« كانَ أَمْرُ اللَّهِ »
: أمر واحد أريد به الأمور وقيل : مصدر واقع موقع المفعول به أي : مأموره أي : ما أوجده كائن لا محالة . وقوله تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ :
مستأنف ، وليس عطفا على
« يَغْفِرُ »
الأول لفساد المعنى . والفاعل في
« يَشاءُ »
ضمير عائد على اللّه تعالى ، ويفهم من كلام الزمخشري أنه ضمير عائد على « من » في « لمن » ؛ لأنّ المعنى عنده : إنّ اللّه لا يغفر الشرك لمن لا يشاء أن يغفر له بكونه مات على الشرك غير تائب منه ، ويغفر ما دون دلك لمن يشاء أن يغفر له بكونه مات تائبا من الشرك » ، و
« لِمَنْ يَشاءُ »
متعلق ب
« يَغْفِرُ »
. قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ :
تقدّم مثله ، و « بل » إضراب عن تزكيتهم أنفسهم . وقدّر أبو البقاء هذا الإضراب جملة قال : « تقديره : أخطؤوه بل اللّه يزكي من يشاء . وقوله :
وَلا يُظْلَمُونَ
يجوز أن يكون حالا ممّا تقدّم ، وأن يكون مستأنفا ، والضمير في
« يُظْلَمُونَ »
يجوز أن يعود « على من يشاء » أي : لا ينقص من تزكيتهم شيئا ، وإنما جمع الضمير حملا على معنى « من » ، وأن يعود على الذين يزكّون ، وأن يعود على القبيلين : من زكّى نفسه ومن زكّاه اللّه ، فذاك لا ينقص من عقابه شيئا ، وهذا لا ينقص من ثوابه شيئا . والأول أظهر ؛ لأن « من » أقرب مذكور ، ولأنّ « بل » إضراب منقطع ما بعدها عمّا قبلها . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون مستأنفا أي : من زكّى نفسه ، ومن زكّاه اللّه » . انتهى ، فجعل عود الضمير على الفريقين بناء على وجه الاستئناف ، وهذا غير لازم ، بل يجوز عوده عليهما والجملة حالية . و
« فَتِيلًا »
مفعول ثان ؛ لأنّ الأول قام مقام الفاعل ، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف ، كما تقدّم تقريره في
مِثْقالَ ذَرَّةٍ
« 4 » . والفتيل : خيط رقيق في شقّ النّواة ، يضرب به المثل في القلة ، وقيل : هو ما خرج من بين إصبعيك أو
هامش
( 1 ) سورة المرسلات ، آية ( 8 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة يس ، آية ( 66 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 40 ) .