تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
الكلام على ذلك في البقرة بأشبع قول . قوله :
لَكانَ خَيْراً
فيه قولان ، أظهرهما : أنه بمعنى أفعل ، ويكون المفضّل عليه محذوفا ، أي : لو قالوا هذا الكلام لكان خيرا من ذلك الكلام . والثاني : أنه لا تفضيل فيه ، بل يكون بمعنى جيد وفاضل ، فلا حذف حينئذ ، والباء في
« بِكُفْرِهِمْ »
للسببية . قوله :
إِلَّا قَلِيلًا
فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه منصوب على الاستثناء من
« لَعَنَهُمُ »
أي : لعنهم اللّه إلا قليلا منهم ، فإنهم آمنوا فلم يلعنهم . والثاني : أنه مستثنى من الضمير في
« فَلا يُؤْمِنُونَ »
والمراد بالقليل عبد اللّه بن سلام وأضرابه . ولم يستحسن مكي هذين الوجهين : أمّا الأول قال : « لأنّ من كفر ملعون لا يستثنى منهم أحد . وأمّا الثاني : فلأنّ الوجه الرفع على البدل ؛ لأن الكلام غير موجب » . والثالث : أنه صفة لمصدر محذوف أي : إلا إيمانا قليلا ، وتعليله هو أنهم آمنوا بالتوحيد وكفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وشريعته . وعبّر الزمخشري وابن عطية عن هذا التقليل بالعدم ، يعني أنهم لا يؤمنون البتة ، كقوله :
1598 - قليل التشكّي للمهمّ يصيبه * . . . « 1 »
قال الشيخ « 2 » : « وما ذكراه من أن التقليل يراد به العدم صحيح ، غير أنّ هذا التركيب الاستثنائي يأباه ، فإذا قلت : « لم أقم إلا قليلا » فالمعنى : انتفاء القيام إلا القليل فيوجد منك ، لا أنه دال على انتفاء القيام البتة بخلاف « قلّما يقول ذلك أحد إلا زيد » و « قلّ رجل يفعل ذلك » فإنه يحتمل القليل المقابل للتكثير ، ويحتمل النفي المحض ، أمّا أنك تنفي ثم توجب ، ثم تريد بالإيجاب بعد النفي نفيا فلا ، لأنه يلزم أن تجيء « إلّا » وما بعدها لغوا من غير فائدة ، لأنّ انتفاء القيام قد فهم من قولك : « لم أقم » فأيّ فائدة في استثناء مثبت يراد به انتفاء مفهوم من الجملة السابقة ؟ وأيضا فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد « إلا » موافقا لما قبلها في المعنى ، والاستثناء يلزم أن يكون ما بعد « إلّا » مخالفا لما قبلها فيه » .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 47 إلى 49 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 49 )
هامش
( 1 ) صدر البيت لتأبط شرا وعجزه :. . . * كثير الهوى شتى النوى والمسالكانظر الحماسة ( 1 / 75 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 265 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 374 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة