تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
الخامس : أنه مفعول ثان ب « خلق » قالوا : و « خلق » إذا كانت بمعنى جعل التي تتعدى لاثنين تعدّت لاثنين ، وهذا غير معروف عند أهل العربية ، بل المعروف أنّ « جعل » إذا كانت بمعنى « خلق » تعدّت لواحد فقط . وأحسن هذه الأعاريب أن يكون حالا من
« هذا »
، وهي حال لا يستغنى عنها ، لأنها لو حذفت لاختلّ الكلام ، وهي كقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
« 1 » . و
سُبْحانَكَ
تقدم إعرابه « 2 » وهو معترض بين قوله :
« رَبَّنا »
وبين قوله :
« فَقِنا »
، وقال أبو البقاء : « دخلت الفاء لمعنى الجزاء ، والتقدير : إذا نزّهناك أو وحّدناك فقنا » . وهذا لا حاجة إليه ، بل التسبّب فيها ظاهر ، تسبّب عن قولهم :
« رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ »
طلبهم وقاية النار . وقيل : هي لترتيب السؤال على ما تضمّنه « سبحان » من معنى الفعل أي : سبحانك فقنا ، وأبعد من ذهب إلى أنها للترتيب على ما تضمّنه النداء . قوله تعالى :
مَنْ تُدْخِلِ :
« مَنْ »
شرطية مفعول مقدّم واجب التقديم لأنّ له صدر الكلام ، و
« تُدْخِلِ »
مجزوم بها . و
« فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ »
جوابها . وحكى أبو البقاء عن بعضهم قولين غريبين : أحدهما : أن تكون
« مَنْ »
منصوبة بفعل مقدر يفسّره قوله :
« فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
، وهذا غلط ؛ لأنّ من شرط الاشتغال صحة تسلّط ما يفسّر على ما هو منصوب ، والجواب لا يعمل فيما قبل فعل الشرط ؛ لأنه لا يتقدّم على الشرط . الثاني : أن
« مَنْ »
مبتدأ ، والشرط وجوابه خبر هذا المبتدأ ، وهذان الوجهان غلط . واللّه أعلم . وعلى الأقوال كلّها فهذه الجملة الشرطية في محلّ رفع خبرا ل « إنّ » . ويقال : خزيته وأخزيته ثلاثيا ورباعيا ، والأكثر الرباعي ، وخزي الرجل يخزى خزيا إذا افتضح ، وخزاية إذا استحيا فالفعل واحد ، وإنما يتميز بالمصدر كما تقدم . قوله :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
« مَنْ »
زائدة لوجود الشرطين ، وفي مجرورها وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ وخبره في الجارّ قبله ، وتقديمه هنا جائز لا واجب لأنّ النّفي مسوّغ ، وحسّن تقديمه كون مبتدئه فاصلة . والثاني : أنه فاعل بالجارّ قبله لاعتماده على النفي ، وهذا جائز عند الجميع .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 193 إلى 194 ]

رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 ) قوله تعالى :
سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي :
« سمع » إن دخلت على ما يصحّ أن يسمع نحو : « سمعت كلامك وقراءتك » تعدّت لواحد ، وإن دخلت على ما لا يصحّ سماعه بأن كان ذاتا فلا يصحّ الاقتصار عليه وحده ، بل لا بدّ من الدلالة على
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، آية ( 16 ) . ( 2 ) انظر آية ( 32 ) من سورة البقرة .