وقرأ مجاهد ومقاتل « 1 » : « يقاتل » بالياء من تحت ، وهي مخرّجة على مذهب ابن كيسان ومقوية له . والذي حسّن ذلك كون
« فِئَةٌ »
في معنى القوم والناس ؛ فلذلك عاد الضمير عليها مذكّرا .
قوله :
يَرَوْنَهُمْ
قرأ نافع وحده من السبعة ويعقوب وسهل : « ترونهم » بالخطاب « 2 » ، والباقون من السبعة بالغيبة .
فأمّا قراءة نافع ففيها ثمانية أوجه :
أحدها : أن الضمير في
« لَكُمْ »
والمرفوع في « ترونهم » للمؤمنين ، والضمير المنصوب في « ترونهم » والمجرور في
« مِثْلَيْهِمْ »
للكافرين . والمعنى : قد كان لكم أيها المؤمنون آية في فئتين بأن رأيتم الكفار مثلي أنفسهم في العدد وهو أبلغ في القدرة حيث رأى المؤمنون الكافرين مثلي عدد الكافرين ، ومع ذلك انتصروا عليهم وغلبوهم وأوقعوا بهم الأفاعيل .
ونحوه :
« كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ »
« 3 » واستبعد بعضهم هذا التأويل لقوله تعالى في الأنفال :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا
« 4 » ، فالقصة واحدة ، وهناك تدلّ الآية على أن اللّه تعالى قلّل المشركين في أعين المؤمنين لئلا يجبنوا عنهم ، وعلى هذا التأويل المذكور هنا يكون قد كثّرهم في أعينهم . ويمكن أن يجاب عنه باختلاف حالين ، وذلك أنه في وقت أراهم إيّاهم مثلي عددهم ليمتحنهم ويبتليهم ، ثم قلّلهم في أعينهم ليقدموا عليهم ، فالإتيان باعتبارين ومثله :
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
« 5 » مع :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
« 6 » و
لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
« 7 » مع :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ
« 8 » . وقال الفراء : « المراد بالتقليل التهوين كقولك : « رأيت كثيرهم قليلا » لهوانهم عندك ، وليس من تقليل العدد في شيء » .
الثاني : أن يكون الخطاب في « ترونهم » للمؤمنين أيضا ، والضمير المنصوب في « ترونهم » للكافرين أيضا ، والضمير المجرور في
« مِثْلَيْهِمْ »
للمؤمنين ، والمعنى : ترون أيها المؤمنون الكافرين مثلي عدد أنفسكم ، وهذا تقليل للكافرين عند المؤمنين في رأي العين ، وذلك أنّ الكفار كانوا ألفا ونيّفا والمسلمون على الثلث منهم ، فأراهم إياهم مثليهم ، على ما قرّر عليهم من مقاومة الواحد للإثنين في قوله تعالى :
فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
« 9 » قال الزمخشري : « وقراءة نافع لا تساعد عليه » يعني على هذا التأويل المذكور ، ولم يبيّن وجه عدم المساعدة ، وكأنّ الوجه في ذلك - واللّه أعلم - أنه كان ينبغي أن يكون التركيب : « ترونهم مثليكم » بالخطاب في « مثليكم » لا بالغيبة . وقال أبو عبد اللّه الفاسي - بعد ما ذكرته عن الزمخشري - : « قلت : بل يساعد عليه إن كان الخطاب في الآية للمسلمين ، وقد قيل ذلك » انتهى ، فلم يأت أبو عبد اللّه بجواب ، إذ الإشكال باق .
وقد أجاب بعضهم عن ذلك بجوابين :
أحدهما : أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وأن حقّ الكلام : « مثليكم » بالخطاب ، إلا أنه التفت إلى الغيبة ، ونظّره بقوله تعالى :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
« 10 » .
هامش
( 1 ) مقاتل بن سليمان الأزدي أبو الحسن الخراساني المفسر قيل مات سنة خمسين ومائة .
انظر الخلاصة 3 / 53 - 54 .
( 2 ) انظر البحر 2 / 394 .
( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 349 ) .
( 4 ) سورة الأنفال ، آية ( 44 ) .
( 5 ) سورة الرحمن ، آية ( 39 ) .
( 6 ) سورة الحجر ، آية ( 92 ) .
( 7 ) سورة النساء ، آية ( 42 ) .
( 8 ) سورة المرسلات ، آية ( 35 ) .
( 9 ) سورة الأنفال ، آية ( 66 ) .
( 10 ) سورة يونس ، آية ( 22 ) .