ل
« نَبِيٍّ »
والخبر محذوف على ما ذكرنا » .
ورجّح كون « قتل » مسندا إلى ضمير النبي أنّ القصة بسبب غزوة أحد وتجادل المؤمنين حين قيل : إنّ محمدا قد مات مقتولا ، ويؤيّده قوله :
أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ
« 1 » وإليه ذهب ابن عباس والطبري وجماعة ، وعن ابن عباس في قوله :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
« 2 » : « النبي يقتل فكيف لا يخان ؟ وذهب الحسن وابن جبير وجماعة إلى أنّ القتل للرّبيّين قالوا :
لأنه لم يقتل نبيّ في حرب قط . ونصر الزمخشري هذا بقراءة « قتّل » بالتشديد ، يعني أن التكثير لا يتأتّى في الواحد وهو النبي . وهذا الذي ذكره الزمخشري سبقه إليه ابن جني ، وسيأتي تأويل هذا .
وقرأ بن كثير ونافع وأبو عمرو : « قتل » مبنيا للمفعول ، وقتادة كذلك إلا أنه شدّد التاء ، وباقي السبعة :
« قاتَلَ »
، وكلّ من هذه الأفعال يصلح أن يرفع ضمير
« نَبِيٍّ »
وأن يرفع ربّيّين على ما تقدّم تفصيله . وقال ابن جني : « إنّ قراءة « قتّل » بالتشديد يتعيّن أن يسند الفعل فيها إلى الظاهر ، أعني ربيين . قال : « لأنّ الواحد لا تكثير فيه » . قال أبو البقاء : « ولا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة » انتهى . يعني أنّ
« مِنْ نَبِيٍّ »
المراد به الجنس فالتكثير بالنسبة لكثرة الأشخاص لا بالنسبة إلى كلّ فرد فرد ، إذ القتل لا يتكثّر في كلّ فرد . وهذا الجواب الذي أجاب به أبو البقاء استشعر به أبو الفتح وأجاب عنه . قال : « فإن قيل : يسند إلى
« نَبِيٍّ »
مراعاة لمعنى « كم » فالجواب : أنّ اللفظ قد فشا على جهة الإفراد في قوله :
« مِنْ نَبِيٍّ »
، ودلّ الضمير المفرد في
« مَعَهُ »
على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد ، فخرج الكلام عن معنى « كم » . قال : « وهذه القراءة تقوّي قول من قال : إنّ « قتل » و
« قاتَلَ »
يسندان إلى الربّيّين .
قال الشيخ « 3 » : « وليس بظاهر لأنّ
« كَأَيِّنْ »
مثل « كم » ، وأنت إذا قلت : « كم من عان فككته » فأفردت راعيت لفظها ، ومعناها جمع ، فإذا قلت : « فككتهم » راعيت المعنى ، فلا فرق بين « قتل معه ربيون » و « قتل معهم ربّيّون » ، وإنما جاز مراعاة اللفظ تارة والمعنى أخرى في « كم » و
« كَأَيِّنْ »
لأنّ معناهما « جمع » ، و « جمع » يجوز فيه ذلك ، قال تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
« 4 » فراعى اللفظ في قوله : « منتصر » والمعنى في قوله :
« يولّون » .
ورجّح بعضهم قراءة
« قاتَلَ »
لقوله بعد ذلك :
« فَما وَهَنُوا »
قال : « وإذا قتلوا فكيف يوصفون بذلك ؟ إنما يوصف بهذا الأحياء ، والجواب : أنّ معناه « قتل بعضهم » ، كما تقول : « قتل بنو فلان في وقعة كذا ثم انتصروا » . وقال ابن عطية :
« قراءة من قرأ
« قاتَلَ »
أعمّ في المدح ، لأنه يدخل فيها من قتل ومن بقي ، ويحسن عندي على هذه القراءة إسناد الفعل إلى الربّيّين ، وعلى قراءة « قتل » إسناده إلى
« نَبِيٍّ »
.
قال الشيخ « 5 » : « بل « قتل » أمدح وأبلغ في مقصود الخطاب ، فإنّ « قتل » يستلزم المقاتلة من غير عكس » .
وقوله :
مِنْ نَبِيٍّ
تمييز ل
« كَأَيِّنْ »
لأنها مثل « كم » الخبرية . وزعم بعضهم أنه يلزم جرّه ب « من » ، ولهذا لم يجيء في التنزيل إلا كذا ، وهذا هو الأكثر الغالب كما قال ، وقد جاء تمييزها منصوبا . قال :
1466 - اطرد اليأس بالرّجاء فكائن * آلما حمّ يسره بعد عسر « 6 »
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 144 ) .
( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 161 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 73 .
( 4 ) سورة القمر ، آيتان ( 44 - 45 ) .
( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 73 .
( 6 ) تقدم .