الثامن : أنه منصوب ب :
« كَذَّبُوا بِآياتِنا »
، والضمير في
« كَذَّبُوا »
على هذا لكفار مكة وغيرهم من معاصري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي : كذّبوا تكذيبا كعادة آل فرعون في ذلك التكذيب .
التاسع : أنّ العامل فيه قوله
« فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ »
أي : فأخذهم اللّه أخذا كأخذه آل فرعون ، وهذا مردود ، فإنّ ما بعد الفاء العاطفة لا يعمل فيما قبلها ، لا يجوز : « قمت زيدا فضربت » ، وأما « زيدا فاضرب » فقد تقدّم الكلام عليه في البقرة . وقد حكى بعض النحويين عن الكوفيين أنهم يجيزون تقديم المعمول على حرف العطف فعلى هذا يجوز هذا القول .
وفي كلام الزمخشري سهو فإنه قال : « ويجوز أن ينتصب محلّ الكاف ب
« لَنْ تُغْنِيَ »
أو « بخالدون » أي : لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك ، أو هم فيها خالدون كما يخلدون » ، وليس في لفظ الآية الكريمة « خالدون » إنما نظم القرآن :
« وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ »
ويبعد أن يقال أراد « خالدون » مقدّرا يدلّ عليه سياق الكلام .
قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
يجوز أن يكون مجرورا نسقا على آل فرعون وأن يكون مرفوعا على الابتداء ، والخبر قوله بعد ذلك : « كذّبوا بآيات اللّه » وهذان الاحتمالان جائزان مطلقا . وخصّ أبو البقاء جواز الرفع بكون الكاف في محلّ الرفع فقال : « فعلى هذا - أي على كونها مرفوعة المحلّ خبرا لمبتدأ مضمر - يجوز في
« وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
وجهان :
أحدهما : هو جرّ بالعطف أيضا ، و
« كَذَّبُوا »
في موضع الحال ، و « قد » معه مضمرة ، ويجوز أن يكون مستأنفا لا موضع له ، ذكر لشرح حالهم ، والوجه الآخر أن يكون الكلام تمّ على فرعون و
« الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
مبتدأ ، و
« كَذَّبُوا »
خبره .
والدّأب : العادة ، يقال : دأب يدأب أي : واظب ولازم ، ومنه : « دأبا » « 2 » أي : مداومة . وقال امرؤ القيس :
1188 - كدأبك من أمّ الحويرث قبلها * وجارتها أمّ الرّباب بمأسل « 3 »
ويقال : دأب يدأب دؤوبا ، قال زهير :
1189 - لأرتحلن بالفجر ثمّ لأدأبن * إلى اللّيل إلّا أن يعرّجني طفل « 4 »
وقال الواحدي : « الدأب : الإجهاد والتعب ، يقال : سار فلان يومه كلّه يدأب فيه فهو دائب ، أي : أجهد في سيره ، هذا أصله في اللغة ، ثم يصير الدأب عبارة عن الحال والشأن والعادة ، لاشتمال العمل والجهد على هذا كله ، ولذا قال الزمخشري : « الدأب : مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه ، فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله » ويقال :
دأب ودأب ، بسكون الهمزة وفتحها ، وهما لغتان في المصدر كالضّأن والضّأن ، والمعز والمعز . وقرأ حفص « سبع سنين دأبا » ، بالفتح ، قال الفراء : « والعرب تثقّل ما كان ثانيه من حروف الحلق كالنّعل والنّعل والنّهر والنهر والشّأم والشّأم » وأنشد :
( 1 ) البحر المحيط 2 / 389 .
هامش
( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 47 ) .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) انظر ديوانه ( 84 ) ، البحر 2 / 372 .
قوله : « لأد أبن » من الدؤوب في السير ، يعرجني : يحبسني .
الطفل : الوليد وقيل : النار ساعة تقدح .