الثاني : أنها بمعنى عند ، قال أبو عبيدة : هي بمعنى عند كقوله :
أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
« 1 » أي :
عند جوع وعند خوف ، وهذا ضعيف عند النحويين .
الثالث : أنها بمعنى بدل . قال الزمخشري : « قوله » من اللّه مثل قوله :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
« 2 » ، والمعنى : لن تغني عنهم من رحمة اللّه أو من طاعته شيئا أي : بدل رحمته وطاعته وبدل الحق ، ومنه « ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ » « 3 » أي : لا ينفعه جدّه وحظّه من الدنيا بدلك ، أي : بدل طاعتك وما عندك ، وفي معناه قوله تعالى :
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى
« 4 » ، وهذا الذي ذكره من كونها بمعنى « بدل » جمهور النحاة يأباه ، فإنّ عامّة ما أورده مجيز ذلك بتأوله الجمهور ، فمنه قوله :
1186 - جارية لم تأكل المرقّقا * ولم تذق من البقول الفستقا « 5 »
وقول الآخر :
1187 - أخذوا المخاض من الفصيل غلبّة * ظلما ويكتب للأمير أفيلا « 6 »
وقال تعالى :
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
« 7 »
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
« 8 » .
الرابع : أنها تبعيضة ، إلّا أنّ هذا الوجه لمّا أجازه الشيخ « 9 » جعله مبنيا على إعراب
شَيْئاً
» مفعولا به ، بمعنى :
لا يدفع ولا يمنع . قال : « فعلى هذا يجوز أن تكون
« مِنَ »
في موضع الحال من
« شَيْئاً »
، لأنه لو تأخّر لكان في موضع النعت له » ، فلمّا تقدّم انتصب على الحال ، وتكون
« مِنَ »
إذ ذاك للتبعيض . وهذا ينبغي ألّا يجوز البتة ، لأنّ
« مِنَ »
التبعيضيّة تؤوّل بلفظ « بعض » مضافة لما جرّته من ، ألا ترى أنك إذا قلت : « رأيت رجلا من بني تميم » معناه بعض بني تميم ، و « أخذت من الدراهم » : بعض الدراهم ، وهنا لا يتصوّر ذلك أصلا ، وإنما يصحّ جعله صفة لشيئا إذا جعلنا
« مِنَ »
لابتداء الغاية كقولك : « عندي درهم من زيد » أي : كائن أو مستقر من زيد ، ويمتنع فيها التبعيض ، والحال كالصفة في المعنى ، فامتنع أن تكون
« مِنَ »
للتبعيض مع جعله
« مِنَ اللَّهِ »
حالا من
« شَيْئاً »
، والشيخ تبع في ذلك أبا البقاء ، إلّا أنّ أبا البقاء حين قال ذلك قدّر مضافا صحّ به قوله ، والتقدير : شيئا من عذاب اللّه ، فكان ينبغي أن يتبعه في هذا الوجه مصرّحا بما يدفع هذا الذي ذكرته .
هامش
( 1 ) سورة قريش ، آية ( 4 ) .
( 2 ) سورة يونس ، آية ( 36 ) .
( 3 ) حديث أخرجه البخاري 2 / 325 ، كتاب الأذان باب الذكر بعد الصلاة ( 844 ) ، ومسلم 1 / 414 - 415 ، كتاب المساجد ( 137 - 593 ) .
( 4 ) سورة سبأ ، آية ( 37 ) .
( 5 ) البيت لأبي نخيلة السعدي ، انظر المخصص 11 / 139 ، الجنى الداني ( 316 ) ، المغني 1 / 320 ، رقم ( 529 ) ، العمدة 2 / 241 ، اللسان ( بقل ) ، ورواية صدره في اللسان :برية لم تأكل المرفقا * . . .والمعنى أن هذه الجارية بدوية لا عهد لها بالنعيم فهي تأكل يابس العيش لا ما يأكله أهل الحضر .
( 6 ) البيت للراعي أنظر ابن يعيش 6 / 44 ، أمالي الشجري 2 / 61 ، المغني 1 / 320 ، رقم ( 530 ) .
الغلبة بفتح الغين وضم اللام مع تشديد الموحدة بمعنى الغلبة والقهر ، والأفيل : الصغير ؛ لأنه يأفل بين الإبل أي يغيب استشهد به النحاة ( من الفصيل ) أي بدل الفصيل .
وأنكر قوم مجيء من للبدل ، انظر مغني المحتاج الموضع السابق .
( 7 ) سورة الزخرف ، آية ( 60 ) .
( 8 ) سورة التوبة ، آية ( 38 ) .
( 9 ) البحر المحيط 2 / 388 .