المتقدم : « زيدا وعمرا » أي أعني زيدا وعمرا ، أو « زيد وعمرو » أي : منهم زيد وعمرو ، ولذلك أعربوا قول النابغة الذبياني :
1364 - توهّمت آيات لها فعرفتها * لستّة أعوام وذا العام سابع
رماد ككحل العين لأيا أبينه * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع « 1 »
وعلى القطع المتقدم ، أي : فمنها رماد ونؤي ، وكذا قوله تعالى :
حَدِيثُ الْجُنُودِ ، فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ
« 2 » أي :
أعني أو أذمّ فرعون وثمود ، على أنه قد يقال : إنّ المراد بفرعون وثمود هما ومن تبعهما من قومهما ، فذكرهما واف بالجمعية ، وفي الآية الكريمة هنا لم يذكر بعد الآيات إلا شيئان : المقام وأمن داخله ، فكيف يكون بدلا ؟ وهذا الإشكال أيضا وارد على قول من جعله خبر مبتدأ محذوف أي : هي مقام إبراهيم كيف يخبر عن الجمع باثنين ؟ .
وفيه أجوبة :
أحدها : أنّ أقلّ الجمع اثنان كما ذهب إليه بعضهم ، قال الزمخشري : « ويجوز أن يراد : فيه آيات مقام إبراهيم وأمن من دخله ، لأن الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة » .
الثاني : أن
« مَقامُ إِبْراهِيمَ »
وإن كان مفردا لفظا إلا أنه يشتمل على آيات كثيرة ، لأنّ أثر القدمين في الصخرة الصمّاء آية ، وغوصهما فيها إلى الكعبين آية ، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية ، وإبقاؤه على مرّ الزمان ، وحفظه من الأعداء آية ، واستمراره دون آيات سائر الأنبياء - خلا نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى سائرهم - آية ، قال معناه الزمخشري .
الثالث : أن يكون هذا من باب الطيّ ، وهو أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلم ويسمى طيّا ، وأنشد الزمخشري عليه قول جرير :
1365 - كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * من العبيد وثلث من مواليها « 3 »
وأورد منه قوله عليه الصلاة والسّلام « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث : الطّيب والنساء ، وقرّة عيني في الصلاة » « 4 » ذكر اثنين وهما الطّيب والنساء ، وطوى ذكر الثالثة ، لا يقال : إن الثالثة قوله : « وقرّة عيني في الصلاة » لأنها ليست من دنياهم ، إنما هي من الأمور الأخروية ، وفائدة الطيّ عندهم تكبير ذلك الشيء ، كأنه تعالى لمّا ذكر من جملة الآيات هاتين الآيتين قال : وكثير سواهما . وقال ابن عطية : « والأرجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالا ممّا في حرم اللّه تعالى من الآيات ، وخصّا بالذكر لعظمها وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار ، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسّهم » .
الوجه الثاني : أن يكون
« مَقامُ إِبْراهِيمَ »
عطف بيان ، قاله الزمخشري وردّ عليه الشيخ « 5 » هذا من جهة تخالفهما تعريفا وتنكيرا فقال : « قوله مخالف لإجماع البصريين والكوفيين فلا يلتفت إليه ، وحكم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت فيتبعون النكرة النكرة والمعرفة المعرفة ، وتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي ، وأمّا البصريون فلا يجوز عندهم إلا أن يكونا معرفتين ، ولا يجوز أن يكونا نكرتين ، وكلّ شيء أورده الكوفيون ممّا يوهم جواز كونه عطفا جعله البصريون بدلا ، ولم يقم دليل للكوفيين » . قلت : وهذه المسألة ستأتي إن شاء اللّه محررة عند قوله تعالى :
مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
« 6 »
هامش
( 1 ) تقدما .
( 2 ) سورة البروج ، آية ( 17 ) .
( 3 ) انظر ديوانه ( ) ، البحر المحيط 3 / 9 .
( 4 ) أخرجه النسائي 7 / 61 ، وأحمد في المسند 3 / 128 ، والحاكم في المستدرك 2 / 160 ، وابن عدي في الكامل 3 / 1151 .
( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 9 .
( 6 ) سورة إبراهيم ، آية ( 16 ) .