الشيخ « 1 » : « ويبعد ذلك ، إذ هو من الإخبار بالواضح ، لأنه معلوم أنّ ما حرّم إسرائيل على نفسه هو من قبل إنزال التوراة ضرورة لتباعد ما بين وجود إسرائيل وإنزال التوراة » . والثاني : أنها تتعلّق بقوله : كان حلا » .
قال الشيخ « 2 » : « ويظهر أنه متعلّق بقوله
« كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ »
أي : من قبل أن تنزّل التوراة ، وفصل بالاستثناء إذ هو فصل جائز ، وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ظرفا ومجرورا أو حالا نحو : « ما حبس إلا « زيد عندك ، وما أوى إلا عمرو إليك ، وما جاء إلا زيد ضاحكا » وأجاز الكسائي ذلك في المنصوب مطلقا نحو : ما ضرب إلا زيد عمرا ، وأجاز هو وابن الأنباري ذلك في المرفوع نحو : ما ضرب إلا زيدا عمرو ، وأمّا تخريجه على غير مذهب الكسائي وأبي الحسن فيقدّر له عامل من جنس ما قبله ، تقديره هنا : حلّ من قبل أن تنزّل التوراة » .
قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ :
فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلّق بافترى ، وهذا هو الظاهر .
والثاني : جوّزه أبو البقاء وهو أن يتعلّق بالكذب ، يعني الكذب الواقع من بعد ذلك . وفي المشار إليه بذلك ثلاثة أوجه :
أحدها : استقرار التحريم المذكور في التوراة ، إذ المعنى : إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه ثم حرّمته التوراة عليهم عقوبة لهم .
الثاني : التلاوة ، وجاز تذكير اسم الإشارة لأنّ المراد بها بيان مذهبهم .
والثالث : الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه .
وهذه الجملة - أعني قوله
« فَمَنِ افْتَرى »
- يجوز أن تكون استئنافية فلا محلّ لها من الإعراب ، ويجوز أن تكون منصوبة المحلّ نسقا على قوله :
« فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ »
فتندرج في المقول . و « من » يجوز أن تكون شرطية أو موصولة ، وحمل على لفظها في قوله :
« افْتَرى »
وحّد الضمير ، وعلى معناها فجمع في قوله :
« فَأُولئِكَ »
إلى آخره .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 95 إلى 96 ]
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 95 ) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 )
قوله تعالى :
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ :
أي : قل لهم . والعامة على إظهار لام
« قُلْ »
مع الصاد ، وقرأ أبان بن تغلب بإدغامها فيها ، وكذلك أدغم اللام في السين في قوله :
قُلْ سِيرُوا
« 3 » ، وسيأتي أنّ حمزة والكسائي وهشاما أدغموا اللام في السين من قوله تعالى :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ
« 4 » .
قال أبو الفتح : « علة ذلك فشوّ هذين الحرفين في الفم وانتشار الصوت المنبثّ عنهما فقاربتا بذلك مخرج اللام
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 4 .
( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 4 .
( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 11 ) .
( 4 ) سورة يوسف ، آية ( 18 ) .