الرابع : أن اللام هي الموطئة و « ما » بعدها شرطية ، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها وهو « آتيناكم » ، وهذا الفعل مستقبل معنى لكونه في حيّز الشرط ، ومحلّه الجزم والتقدير : واللّه لأيّ شيء آتيتكم من كذا وكذا لتكونن كذا .
وقوله :
مِنْ كِتابٍ
كقوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
« 1 » وقد تقدّم تقريره . وقوله :
ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ
عطف على الفعل قبله فيلزم أن يكون فيه رابط يربطه بما عطف عليه . و
« لَتُؤْمِنُنَّ »
جواب لقوله :
« أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ »
، وجواب الشرط محذوف سدّ جواب القسم مسدّه ، والضمير في « به » عائد على
« رَسُولٌ »
، كذا قال الشيخ « 2 » ، وفيه نظر لأنه يمكن عوده على اسم الشرط ، ويستغني حينئذ عن تقديره رابطا ، وهذا كما تقدّم في الوجه الثاني ، ونظير هذا من الكلام أن تقول : « أحلف باللّه لأيّهم رأيت ثم ذهب إليه رجل قرشي لأحسننّ إليه » تريد إلى الرجل ، وهذا الوجه هو مذهب الكسائي .
وقد سأل سيبويه « 3 » الخليل عن هذه الآية فأجاب بأنّ « ما » بمنزلة الذي ، ودخلت اللام على « ما » كما دخلت على « إن » حين قلت : واللّه لئن فعلت لأفعلنّ ، فاللام التي في « ما » كهذه التي في إن ، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا » هذا نصّ الخليل . قال أبو علي : « لم يرد الخليل بقوله « إنها بمنزلة الذي » « كونها موصولة بل أنها اسم كما أن الذي اسم ، وقرر أن تكون حرفا كما جاءت حرفا في قوله :
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ
« 4 »
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ
« 5 » . وقال سيبويه « 6 » : « ومثل ذلك :
لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
« 7 » إنما دخلت اللام على نيّة اليمين » .
وإلى كونها شرطية ذهب جماعة كالمازني والزجّاج والزمخشري والفارسي ، قال الشيخ : « وفيه حدس لطيف جدا وحاصل ما ذكر أنهم إن أرادوا تفسير المعنى فيمكن أن يقال ، وإن أرادوا تفسير الإعراب فلا يصحّ ؛ لأنّ كلا منهما - أعني الشرط والقسم - يطلب جوابا على حدة ، ولا يمكن أن يكون هذا محمولا عليهما ؛ لأنّ الشرط يقتضيه على جهة العمل فيكون في موضع جزم ، والقسم يطلبه من جهة التعلق المعنوي به من غير عمل فلا موضع له من الإعراب ، ومحال أن يكون الشيء له موضع من الإعراب ولا موضع له من الإعراب » قلت : وقد تقدّم هذا الإشكال والجواب عنه .
الخامس : أنّ أصلها « لمّا » بتشديد الميم فخففت ، وهذا قول ابن أبي إسحاق ، وسيأتي توجيه قراءة التشديد فتعرف من ثمّة .
وقرأ حمزة : « لما » بكسر اللام خفيفة الميم أيضا ، وفيها أربعة أوجه :
أحدها : - وهو أغربها - أن تكون اللام بمعنى « بعد » كقول النابغة :
1355 - توهّمت آيات لها فعرفتها * لستّة أعوام وذا العام سابع « 8 »
يريد : فعرفتها بعد ستة أعوام ، وهذا منقول عن صاحب النظم ، ولا أدري ما حمله على ذلك ؟ وكيف ينتظم هذا كلاما ، إذ يصير تقديره : وإذ أخذ اللّه ميثاق النبيين بعد ما آتيناكم ، ومن المخاطب بذلك ؟
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 106 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 509 .
( 3 ) انظر الكتاب 1 / 455 .
( 4 ) سورة هود ، آية ( 111 ) .
( 5 ) سورة الزخرف ، آية ( 35 ) .
( 6 ) انظر الكتاب 1 / 456 .
( 7 ) سورة الأعراف ، آية ( 18 ) .
( 8 ) تقدم .