وقول الآخر :
1348 - وأغبر الظّهر ينبي عن وليّته * ما حجّ ربّه في الدّنيا ولا اعتمرا « 1 »
وقد تقدّم أنها لغة عقيل وكلاب أيضا .
وأمّا قراءة الباقين فواضحة . وقرأ الزهري : « يؤدّهو » بضم الهاء بعدها واو ، وقد تقدّم أن هذا هو الأصل في هاء الكناية ، وقرأ سلام « 2 » كذلك ، إلا أنه ترك الواو فاختلس ، وهما نظيرتا قراءتي : « يؤدهي ويؤده » بالإشباع والاختلاس مع الكسر .
واعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعل مجزوم أو أمر معتل الآخر جرى فيها هذه الأوجه الثلاثة - أعني السكون والاختلاس والإشباع - من ذلك :
« نُؤْتِهِ مِنْها »
« 3 »
« يَرْضَهُ لَكُمْ »
« 4 »
« نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ »
« 5 »
« فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ »
« 6 » ، وقد جاء ذلك في قراءة السبعة أعني الأوجه الثلاثة في بعض هذه الكلمات ، وبعضها لم يأت فيه إلا وجهان ، وسيأتي ذلك مفصّلا في سوره إن شاء اللّه تعالى ، والسر فيه أن الهاء التي للكناية متى سبقها متحرك فالفصيح فيها الأشباع نحو : إنه ، وبه ، وله ، وإن سبقها ساكن فالأشهر الاختلاس ، وسواء كان ذلك الساكن صحيحا أو معتلا نحو : فيه ومنه ، وبعضهم يفرّق بين المعتل والصحيح ، وقد أتقنت ذلك في أول الكتاب ، إذا علم ذلك فنقول : هذه الكلمات المشار إليها إن نظرنا إلى اللفظ فقد وقعت بعد متحرك فحقّها أن تشبع حركتها موصولة بالياء أو الواو ، وإن سكنت فلما تقدّم من إجراء الوصل مجرى الوقف ، وإن نظرنا إلى الأصل فقد سبقها ساكن وهو حرف العلة المحذوف للجزم ، فلذلك جاز الاختلاس ، وهذا أصل نافع يطّرد معك عند قربك في هذا الكتاب من هذه الكلمات .
قوله :
بِدِينارٍ
في هذه الباء أوجه :
أحدها : أنها على أصلها من الإلصاق وفيه قلق .
والثاني : أنها بمعنى في ، ولا بدّ من حذف مضاف أي : في حفظ دينار وفي حفظ قنطار .
والثالث : أن الباء بمعنى على ، وقد عدّي بها كثيرا :
لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ
« 7 »
هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ
« 8 » وكذلك هي في
« بِقِنْطارٍ »
.
قوله :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
استثناء مفرغ من الظرف العام ، إذ التقدير : لا يؤدّه إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة دوامك قائما عليه متوكلا به . ودمت هذه هي الناقصة ترفع وتنصب ، وشرط إعمالها أن يتقدمها « ما » الظرفية كهذه الآية ، إذ التقدير إلا مدة دوامك ، ولا ينصرف ، فأمّا قولهم ، « يدوم » فمضارع « دام » التامة بمعنى بقي ، ولكونها صلة ل « ما » الظرفية لزم أن تكون محتاجة إلى كلام آخر لتعمل في الظرف نحو : « لا أصحبك ما دمت باكيا » ، ولو قلت :
« ما دام زيد قائما » من غير شيء لم يكن كلاما .
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) سلام بن سليمان الطويل أبو المنذر المزني مولاهم البصري ثم الكوفي ثقة جليل ومقرىء كبير .
انظر غاية النهاية 1 / 309 .
( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 145 ) .
( 4 ) سورة الزمر ، آية ( 7 ) .
( 5 ) سورة النساء ، آية ( 115 ) .
( 6 ) سورة النمل ، آية ( 28 ) .
( 7 ) سورة يوسف ، آية ( 11 ) .
( 8 ) سورة يوسف ، آية ( 64 ) .