أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته . وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم : لم تعبدون عيسى ؟ قالوا : لأنه لا أب له ، قال : فآدم أولى لأنه لا أبوين له ، قالوا : فإنه كان يحيي الموتى ، قال : فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر ، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف . قالوا : فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص . قال : فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم خرج سالما » .
قوله :
مِنْ تُرابٍ
فيه وجهان :
أظهرهما : أنه متعلّق ب
« خَلَقَهُ »
أي : ابتداء خلقه من هذا الجنس .
والثاني : أنه حال من مفعول
« خَلَقَهُ »
تقديره . خلقه كائنا من تراب ، وهذا لا يساعده المعنى .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 60 إلى 61 ]
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 )
قوله تعالى :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ :
يجوز أن تكون هذه جملة مستقلة برأسها ، والمعنى : أنّ الحقّ الثابت الذي لا يضمحل هو من ربك ، ومن جملة ما جاء من ربك قصة عيسى وأمّه فهي حق ثابت ، ويجوز أن
« الْحَقُّ »
خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو ، أي : ما قصصنا عليك من خبر عيسى وأمه . و
« مِنْ رَبِّكَ »
على هذا فيه وجهان :
أحدهما : أنه حال فيتعلق بمحذوف . الثاني : أنه خبر ثان عند من يجوّز ذلك ، وتقدّم نظير هذه الجملة في البقرة « 1 » والنهي له عليه السّلام عن الامتراء ، ولم يكن ممتريا ، « وهذا » من الإلهاب والتهييج على الثبات على ما هو عليه من الحق ، أو لأنّ المراد به غيره .
قوله تعالى :
فَمَنْ حَاجَّكَ :
يجوز في « من » وجهان :
أحدهما : أن تكون شرطية وهو الظاهر أي : إن حاجّك أحد فقل له : كيت وكيت .
ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي ، وإنما دخلت الفاء في الخبر لتضمّنه معنى الشرط . والمحاجّة مفاعلة وهي من اثنين ، وكان الأمر كذلك .
قوله :
فِيهِ
متعلق بحاجّك أي : جادلك في شأنه ، والهاء فيها وجهان :
أظهرهما : عودها على عيسى عليه السّلام .
والثاني عودها على الحق ، وقد يتأيّد هذا بأنه أقرب مذكور ، إلّا أنّ الأول أظهر لأن عيسى هو المحدّث عنه وهو صاحب القصة .
قوله :
مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ
متعلّق بحاجّك أيضا ، و
« ما »
يجوز أن تكون موصولة اسمية ، ففاعل
« جاءَكَ »
ضمير يعود عليها أي : من بعد الذي جاءك هو ، و
« مِنَ الْعِلْمِ »
حال من فاعل
« جاءَكَ »
، ويجوز أن تكون موصولة حرفية ، وحينئذ يقال : يلزم من ذلك خلوّ الفعل من الفاعل ، أو عود الضمير على الحرف ، لأن
« جاءَكَ »
لا بدّ له من فاعل ، وليس معنا شيء يصلح عوده عليه إلا
« ما »
وهي حرفية . والجواب : أنه يجوز أن يكون الفاعل قوله
« مِنَ الْعِلْمِ »
و
« مِنْ »
مزيدة ، أي
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 147 ) .