بنفسك ثم بمن تعول » « 1 » .
قوله تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا :
الكلام فيه كالكلام في الموصول قبله ، وقرأ حفص عن عاصم :
« فَيُوَفِّيهِمْ »
بياء الغيبة ، والباقون بالنون ، فقراءة حفص على الالتفات من التّكلم إلى الغيبة تفنّنا في الفصاحة . وقراءة الباقين جارية على ما تقدّم من اتّساق النظم ، ولكن جاء هناك بالمتكلّم وحده وهنا بالمتكلّم وحده المعظّم نفسه اعتناء بالمؤمنين ورفعا من شأنهم لمّا كانوا معظّمين عنده .
قوله تعالى :
ذلِكَ نَتْلُوهُ :
يجوز أن يكون
« ذلِكَ »
مبتدأ و
« نَتْلُوهُ »
الخبر ، و « من الآيات حال أو خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون
« ذلِكَ »
منصوبا بفعل مقدر يفسّره ما بعده ، فالمسألة من الاشتغال و
« مِنَ الْآياتِ »
حال أو خبر مبتدأ مضمر أي : هو من الآيات ، ولكنّ الأحسن الرفع بالابتداء لأنه لا يحوج إلى إضمار ، وعندهم : « زيد ضربته » أحسن من « زيدا ضربته » ، ويجوز أن يكون
« ذلِكَ »
خبر مبتدأ مضمر ، يعني : الأمر ذلك ، و
« نَتْلُوهُ »
على هذا حال من اسم الإشارة ، و
« مِنَ الْآياتِ »
حال من مفعول
« نَتْلُوهُ »
ويجوز أن يكون
« ذلِكَ »
موصولا بمعنى الذي ، و
« نَتْلُوهُ »
صلة وعائد ، وهو مبتدأ خبره الجارّ بعده ، أي : الذي نتلوه عليك كائن من الآيات أي : المعجزات الدالّة على نبوّتك ، جوّز ذلك الزجاج وتبعه الزمخشري ، وهذا مذهب الكوفيين ، وأمّا البصريّون فلا يجيزون أن يكون اسم من أسماء الإشارة موصولا إلا « إذا » خاصة بشروط تقدّم ذكرها ، ويجوز أن يكون
« ذلِكَ »
مبتدأ ، و
« مِنَ الْآياتِ »
خبره ، و
« نَتْلُوهُ »
جملة في موضع نصب على الحال ، ويجوز أن يكون
« ذلِكَ »
مبتدأ و
« مِنَ الْآياتِ »
خبره ، و
« نَتْلُوهُ »
جملة في موضع نصب على الحال ، والعامل معنى اسم الإشارة . و
« مِنَ »
فيها وجهان :
أظهرهما : أنها تبعيضية ؛ لأن المتلوّ عليه عليه السّلام من قصة عيسى بعض معجزاته وبعض القرآن ، وهذا وجه واضح .
والثاني أنها لبيان الجنس ، وإليه ذهب ابن عطية وبه بدأ .
قال الشيخ « 2 » : « ولا يتأتّى ذلك هنا من جهة المعنى إلا بمجاز ، لأنّ تقدير
« مِنَ »
البيانية بالموصول ليس بظاهر ، إذ لو قلت : « ذلك نتلوه عليك الذي هو الآيات والذكر الحكيم » لاحتجت إلى تأويل ، وهو أن يجعل بعض الآيات والذكر آيات وذكرا وهو مجاز .
والحكيم صيغة مبالغة محوّل من فاعل كضريب من ضارب ، ووصف الكتاب بذلك مجازا ، لأن هذه الصفة في الحقيقة لمنزله والمتكلم به فوصف بصفة من هو من سببه وهو الباري تبارك وتعالى ، أو لأنه ناطق بالحكمة أو لأنه أحكم في نظمه ، وجوّزوا أن يكون بمعنى مفعل أي : محكم لقوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
إلّا أنّ فعيلا بمعنى مفعل قليل قد جاءت منه أليفاظ قالوا : عقدت العسل فهو عقيد ومعقد ، واحتبست الفرس في سبيل اللّه فهو حبيس ومحبس .
وفي قوله
« نَتْلُوهُ »
التفات من غيبة إلى تكلّم ، لأنه قد تقدّمه اسم ظاهر ، وهو قوله :
« وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
كذا قال الشيخ « 3 » ، وفيه نظر ، إذ يحتمل أن يكون
« وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ »
جيء بها اعتراضا بين أبعاض هذه القصة .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم بمعناه 2 / 693 ، كتاب الزكاة ( 41 - 997 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 476 .
( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 476 .