تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وظاهر هذا أنّ الابتهال عامّ في كلّ دعاء لعنا كان أو غيره ، ثم خصّ في هذه الآية باللّعن . وظاهر عبارة الزمخشري أنّ أصله خصوصيته باللّعن ، ثم تجوّز فيه فاستعمل في اجتهاد في دعاء لعنا كان أو غيره ، والظاهر من أقوال اللغويين ما ذكره الراغب . وقال أبو بكر بن دريد في مقصورته :
1322 - لم أر كالمزن سواما بهّلا * تحسبها مرعيّة وهي سدى « 1 »
بهّلا : ج باهلة أي : مهملة ، وفاعلة يجمع على فعّل نحو : ضرّب ، والسّدى : المهمل أيضا . وقوله :
فَنَجْعَلْ
هي المتعدية لاثنين بمعنى : نصيّر ، و
« عَلَى الْكاذِبِينَ »
هو المفعول الثاني .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 62 إلى 63 ]

إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 62 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 ) قوله تعالى :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ :
يجوز أن يكون « هو » فصلا ، والقصص خبر
« إِنَّ »
، و
« الْحَقُّ »
صفته ، ويجوز أن يكون « هو » مبتدأ و
« الْقَصَصُ »
خبره ، والجملة خبر
« إِنَّ »
، والإشارة بهذا إلى ما تقدّم ذكره من أخبار عيسى عليه السّلام ، وقيل : بل هو إشارة لما بعده وهو قوله :
« وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ »
. وضعّف هذا بوجهين ، أحدهما : أنّ هذا ليس بقصص ، والثاني : أنه مقترن بحرف العطف ، وقد اعتذر بعضهم عن الأول فقال : إن أراد بالقصص الخبر فيصحّ على هذا ، ويكون التقدير : إنّ الخبر الحق أنه ما من إله إلا اللّه ، ولكن الاعتراض الثاني باق لم يجب عنه . والقصص : مصدر قولهم : قصّ فلان الحديث يقصّه قصّا وقصصا . وأصله : تتبّع الأثر ، يقال : « فلان خرج يقصّ أثر فلان » أي : يتبعه ليعرف أين ذهب ؟ ومنه قوله تعالى :
وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ
« 2 » أي : اتّبعي أثره وكذلك القاصّ في الكلام لأنه يتتبّع خبرا بعد خبر . وقد تقدّم على قراءتي : « لهو » بسكون الهاء وضمّها ، إجراء له مجرى عضد . قال الزمخشري : « فإن قلت لم جاز دخول اللام على الفصل ؟ قلت : إذا جاز دخولها على الخبر فدخولها على الفصل أجوز ، لأنها أقرب إلى المبتدأ منه ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ » . قوله :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ
يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن
« مِنْ إِلهٍ »
مبتدأ ، و
« مِنْ »
مزيدة فيه ، و
« إِلَّا اللَّهُ »
خبره تقديره : ما إله إلا اللّه ، وزيدت
« مِنْ »
للاستغراق والعموم . قال الزمخشري : « ومن في قوله
« وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ »
بمنزلة البناء على الفتح في « لا إله إلا اللّه » في إفادة معنى الاستغراق » قلت : الاستغراق في « لا إله إلا اللّه » لم نستفده من البناء على الفتح بل استفدناه من
« مِنْ »
المقدرة الدالة على الاستغراق ، نصّ النّحويون على ذلك ، واستدلّوا عليه بظهورها في قول الشاعر :
1323 - فقام يذود النّاس عنها بسيفه * فقال ألا لا من سبيل إلى هند « 3 »
هامش
( 1 ) انظر البيت في ديوانه ( 128 ) . ( 2 ) سورة القصص ، آية ( 11 ) . ( 3 ) تقدم .