تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ضربان : محمود وهو أن يتحرّى به فعل جميل ، وعلى ذلك قوله :
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ،
ومذموم وهو أن يتحرّى به فعل قبيح نحو :
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
« 1 » . قوله تعالى :
إِذْ قالَ اللَّهُ :
في ناصبه ثلاثة أوجه : أحدها : قوله :
« وَمَكَرَ اللَّهُ »
أي ومكر اللّه بهم في هذا الوقت . الثاني : أنه
« خَيْرُ الْماكِرِينَ »
. الثالث : اذكر مقدرا ، فيكون مفعولا به كما تقدّم تقريره غير مرة . قوله :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ
فيه وجهان : أظهرهما : أنّ الكلام على حاله من غير ادّعاء تقديم وتأخير فيه ، بمعنى : إني مستوفي أجلك ومؤخّرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار إلى أن تموت حتف أنفك من غير أن تقتل بأيدي الكفار ورافعك إلى سمائي . والثاني : أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، والأصل : رافعك إليّ ومتوفيك لأنه رفع إلى السماء ثم يتوفّى بعد ذلك ، والواو للجمع فلا فرق بين التقديم والتأخير ، قاله أبو البقاء وبدأ به ، ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان إقرار كلّ واحد في مكانه بما تقدّم من المعنى ، إلّا أنّ أبا البقاء حمل التوفّي على الموت ، وذلك إنما هو بعد رفعه ونزوله إلى الأرض وحكمه بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وفي قوله :
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
إيقاع الظاهر موقع المضمر ، إذ الأصل : ومكروا ومكر اللّه وهو خير الماكرين . قوله :
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ
فيه قولان : أظهرهما : أنه خطاب لعيسى عليه السّلام . والثاني : أنه خطاب لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون الوقف على قوله
« مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
تاما ، والابتداء بما بعده ، وجاز هذا لدلالة الحال عليه .
« فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
ثاني مفعولي جاعل لأنه بمعنى مصيّر فقط . و
إِلى يَوْمِ
متعلّق بالجعل ، يعني أنّ هذا الجعل مستمرّ إلى ذلك اليوم ، ويجوز أن يتعلّق بالاستقرار المقدّر في
« فَوْقَ »
أي : جاعلهم قاهرين لهم إلى يوم القيامة ، يعني أنهم ظاهرون على اليهود وغيرهم من الكفار بالغلبة في الدنيا ، فأمّا يوم القيامة فيحكم اللّه بينهم فيدخل الطائع الجنة والعاصي النار ، وليس المعنى على انقطاع ارتفاع المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا وانقضائها ، لأنّ لهم استعلاء آخر غير هذا الاستعلاء . وقال الشيخ « 2 » : « والظاهر أنّ
« إِلَيَّ »
تتعلق بمحذوف ، وهو العامل في
« فَوْقَ »
. وهو المفعول الثاني لجاعل ، إذ
« جاعِلُ »
هنا مصيّر ، فالمعنى كائنين فوقهم إلى يوم القيامة ، وهذا على أنّ الفوقية مجاز ، وأمّا إن كانت الفوقية حقيقة وهي الفوقية في الجنة فلا تتعلّق
« إِلَيَّ »
بذلك المحذوف بل بما تقدّم من
« مُتَوَفِّيكَ »
أو من
« رافِعُكَ »
أو من
« مُطَهِّرُكَ »
إذ يصحّ تعلّقه بكلّ واحد منها ، أمّا تعلّقه برافعك ، أو بمطهّرك فظاهر ، وأمّا بمتوفّيك فعلى بعض الأقوال » يعني ببعض الأقوال أنّ التوفّي يراد به قابضك من الأرض من غير موت ، وهو قول جماعة كالحسن وابن زيد وابن جريج وغيرهم ، أو
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، آية ( 43 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 474 .