ومنه : العبد لذلته وبعير معبد : أي مذلل بالقطران . وقيل : العبادة التجرد . ويقال : عبدت اللّه بالتخفيف فقط وعبدت الرجل بالتشديد فقط : أي : ذللته أو اتخذته عبدا .
وفي قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
التفات من الغيبة إلى الخطاب إذ لو جرى الكلام على أصله لقيل :
الحمد للّه ، ثم قيل : إياه نعبد ، والالتفات : نوع من البلاغة . ومن الالتفات - إلا أنه عكس هذا - قوله تعالى :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
ولم يقل : بكم . وقد التفت امرؤ القيس ثلاثة التفاتات في قوله :
64 -
تطاول ليلك بالأثمد * وبات الخليّ ولم ترقد « 1 »
وبات وباتت له ليلة * كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني * وخيّرته عن أبي الأسود
وقد خطأ بعضهم الزمخشري في جعله هذا ثلاثة التفاتات وقال : بل هما التفاتان :
أحدهما : خروج من الخطاب المفتتح به في قوله : « ليلك » إلى الغيبة في قوله : « وباتت له ليلة » .
والثاني : الخروج من هذه الغيبة إلى التكلم في قوله : « من نبأ جاءني وخبرته » .
والجواب أن قوله أولا : « تطاول ليلك » فيه التفات لأنه كان أصل الكلام أن يقول : تطاول ليلي ، لأنه هو المقصود فالتفت من مقام التكلم إلى مقام الخطاب ، ثم من الخطاب إلى الغيبة ، ثم من الغيبة إلى التكلم الذي هو الأصل . وقرئ شاذا : « إياك نعبد » « 2 » على بنائه للمفعول الغائب ، ووجهها على إشكالها : أن فيها استعارة والتفاتا أما الاستعارة فإنه استعير فيها ضمير النصب لضمير الرفع والأصل : أن تعبد وهو شائع كقولهم : عساك وعساه وعساني في أحد الأقوال وقول الآخر :
65 -
يا بن الزّبير طالما عصيكا * وطالما عنّيتنا إليكا « 3 »
فالكاف في « عصيكا » نائبة عن التاء ، والأصل : عصيت . وأما الالتفات فكان من حق هذا القارئ أن يقرأ :
إياك تعبد بالخطاب ، ولكنه التفت من الخطاب في « إياك » إلى الغيبة في « يعبد » إلا أن هذا التفات غريب لكونه في جملة واحدة بخلاف الالتفات المتقدم ونظير هذا الالتفات قوله :
66 -
أأنت الهلاليّ الّذي كنت مرّة * سمعنا به والأرحبيّ المغلّب « 4 »
فقال : « به » بعد قوله : « أنت وكنت » .
هامش
- سرعة السير . والوضيف من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه ، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه . وعنى بالوضيف هنا الخف .
( 1 ) انظر ديوانه ( 53 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 179 ) ، الكشاف ( 1 / 14 ) ، واختلف في هذا الشعر بين الرواة فرواه الأصمعي وأبو عمرو الشيباني وأبو عبيدة وابن الأعرابي والطوسي لامرئ القيس بن حجر الكندي ، ورواه ابن دريد لامرئ القيس ابن عابس الكندي الصحابي وقال ابن الكلبي : هو لعمرو بن معد يكرب قاله في قتاله بني مازن بأخيه عبد اللّه ، وإخراجهم عن بلادهم ، ثم رجوعهم بعد ذلك ، وندم عمرو على قتالهم .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 23 ) .
( 3 ) البيت لرجل من حمير . انظر اللسان ( تا ) ، وشواهد الشافية ( 425 ) ، الأشموني ( 1 / 267 ) ، الخزانة ( 2 / 257 ) ، المخصص ( 17 / 144 ) .
( 4 ) لم أهتد إلى قائله . انظر رصف المباني ( 26 ) ، المقرب ( 1 / 63 ) ، الهمع ( 1 / 87 ) ، الدرر ( 1 / 64 ) ، والشاهد فيه : قوله الذي كنت ولو حمل على اللفظ لقال الذي كان .