تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
205 -
ولمّا رأيت النّسر عزّ ابن داية * وعشّش في وكريه جاش له صدري « 1 »
لمّا جعل النّسر عبارة عن الشيب ، وابن داية وهو الغراب عبارة عن الشباب مجازا رشّحه بقوله : « وعشّش في وكريه » ، وقول الآخر : 206 -
فما أمّ الرّدين وإن أدلّت * بعالمة بأخلاق الكرام
إذا الشّيطان قصّع في قفاها * تنقّفناه بالحبل التّؤام « 2 »
لمّا قال : « قصّع في قفاها » أي دخل من القاصعاء - وهي جحر من جحرة اليربوع - رشحه بقوله : « تنقفناه » أي : أخرجناه من النافقاء ، وهي أيضا من جحرة اليربوع . قوله تعالى :
وَما كانُوا مُهْتَدِينَ :
هذه الجملة معطوفة على قوله :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ،
والرّبح : الزيادة على رأس المال ، والمهتدي : اسم فاعل من اهتدى ، وافتعل هنا للمطاوعة ، ولا يكون افتعل للمطاوعة إلا من فعل متعد . وزعم بعضهم « 3 » أنه يجيء من اللازم ، واستدلّ على ذلك بقول الشاعر : 207 -
حتّى إذا اشتال سهيل في السّحر * كشعلة القابس ترمي بالشّرر « 4 »
قال : « فاشتال افتعل لمطاوعة « شال » وهو لازم » وهذا وهم من هذا القائل ، لأن افتعل هنا ليس للمطاوعة ، بل لمعنى فعل المجرد .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 17 ]

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً :
« مَثَلُهُمْ »
مبتدأ و
« كَمَثَلِ »
: جار ومجرور خبره ، فيتعلّق بمحذوف على قاعدة الباب ، ولا مبالاة بخلاف من يقول « 5 » : إن كاف التشبيه لا تتعلّق بشيء ، والتقدير مثلهم مستقر كمثل وأجاز أبو البقاء وابن عطية أن تكون الكاف اسما هي الخبر ، ونظّره بقول الشاعر : 208 -
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط * كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل « 6 »
وهذا مذهب الأخفش : يجيز أن تكون الكاف اسما مطلقا . وأما مذهب سيبويه فلا يجيز ذلك إلا في شعر ، وأمّا تنظيره بالبيت فليس كما قال ، لأنّا في البيت نضطر إلى جعلها اسما لكونها فاعلة ، بخلاف الآية . والذي ينبغي أن يقال : إنّ كاف التشبيه لها ثلاثة أحوال : حال يتعيّن فيها أن تكون اسما ، وهي ما إذا كانت فاعلة أو مجرورة بحرف أو إضافة . مثال الفاعل : « أتنتهون ولن ينهى » البيت ، ومثال جرّها بحرف قول امرئ القيس :
هامش
( 1 ) البيت لابن المعتز ، وهو في ديوانه ( 2 / 43 ) ، والكشاف ( 4 / 394 ) . ( 2 ) البيتان من شواهد الكشاف ( 4 / 513 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 1 / 63 ) . ( 4 ) البيت في الممتع ( 193 ) ، المنصف ( 1 / 75 ) ، البحر ( 1 / 63 ) . ( 5 ) وهو قول ابن عصفور . ( 6 ) البيت للأعشى . انظر ديوانه ( 63 ) ، سر الصناعة ( 1 / 283 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 43 ) ، الخصائص ( 2 / 368 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 229 ) ، الخزانة ( 4 / 132 ) ، الدرر ( 2 / 29 ) ، اللسان ( دنا ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 128 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة