وتظهر فائدة ذلك إذا سمّينا به فعلى الأول تقول : جاءني معا ورأيت معا ومررت بمعا ، وعلى الثاني : جاءني مع ورأيت معا ومررت بمع كيد ، ولا دليل على القول الأول في قوله : « وشعباكما معا » لأنّ معا منصوب على الظرف النائب عن الخبر ، نحو : « زيد عندك » وفيها كلام أطول من هذا ، تركته إيثارا للاختصار .
قوله :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
كقوله :
إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
« 1 » ، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافها إذ هي جواب لرؤسائهم ، كأنهم لمّا قالوا لهم : « إنّا معكم » توجّه عليهم سؤال منهم ، وهو فما بالكم مع المؤمنين تظاهرونهم على دينهم ؟ فأجابوهم بهذه الجملة ، وقيل : محلّها النصب ، لأنها بدل من قوله تعالى :
« إِنَّا مَعَكُمْ »
. وقياس تخفيف همزة « مستهزئون » ونحوه أن تجعل بين بين ، أي بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها وهو الواو ، وهو رأي سيبويه ، ومذهب الأخفش قلبها ياء محضة . وقد وقف حمزة على « مستهزئون » و
فَمالِؤُنَ
« 2 » ونحوهما بحذف صورة الهمزة اتباعا لرسم المصحف .
قوله تعالى :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ :
« اللَّهُ »
رفع بالابتداء و
« يَسْتَهْزِئُ »
جملة فعلية في محلّ خبره و « بهم » متعلق به ، ولا محلّ لهذه الجملة لاستئنافها ،
« وَيَمُدُّهُمْ »
في محلّ رفع أيضا لعطفه على الخبر وهو يستهزئ ، و
« يَعْمَهُونَ »
في محلّ الحال من المفعول في
« يَمُدُّهُمْ »
أو من الضمير في
« طُغْيانِهِمْ »
وجاءت الحال من المضاف إليه لأن المضاف مصدر . و
« فِي طُغْيانِهِمْ »
يحتمل أن يتعلّق بيمدّهم أو بيعمهون ، وقدّم عليه ، إلا إذا جعل
« يَعْمَهُونَ »
حالا من الضمير في
« طُغْيانِهِمْ »
فلا يتعلّق به حينئذ لفساد المعنى .
وقد منع أبو البقاء أن يكون
« فِي طُغْيانِهِمْ »
و
« يَعْمَهُونَ »
حالين من الضمير في
« يَمُدُّهُمْ »
، معلّلا ذلك بأن العامل الواحد لا يعمل في حالين ، وهذا على رأي من منع من ذلك ، وأمّا من يجيز تعدّد الحال مع عدم تعدّد صاحبها فيجيز ذلك ؛ إلّا أنّه في هذه الآية ينبغي أن يمنع ذلك لا لما ذكره أبو البقاء ، بل لأنّ المعنى يأبى جعل هذا الجارّ والمجرور حالا ، إذ المعنى منصبّ على أنه متعلّق بأحد الفعلين ، أعني يمدّهم أو يعمهون ، لا بمحذوف على أنه حال .
والمشهور فتح الياء من « يمدّهم » « 3 » ، وقرئ شاذا بضمّها ، فقيل : الثلاثي والرباعي بمعنى واحد ، تقول : مدّه وأمدّه بكذا ، وقيل : مدّه إذا زاده من جنسه ، وأمدّه إذا زاده من غير جنسه ، وقيل : مدّه في الشرّ ، كقوله تعالى :
وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا
« 4 » ، وأمدّه في الخير ، كقوله :
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ
« 5 »
وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ
« 6 » ،
أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ
« 7 » ، إلا أنه يعكّر على هذين الفرقين أنه قرئ « 8 » :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
« 9 » باللغتين ، ويمكن أن يجاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيه ضمّ الياء أنه بمنزلة قوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ
« 10 »
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
« 11 » ، يعني أبو علي - رحمه اللّه تعالى - بذلك أنه على سبيل التهكم .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 11 ) .
( 2 ) سورة الصافات ، آية ( 66 ) .
( 3 ) انظر الشواذ ( 2 ) .
( 4 ) سورة مريم ، آية ( 79 ) .
( 5 ) سورة نوح ، آية ( 12 ) .
( 6 ) سورة الطور ، آية ( 22 ) .
( 7 ) سورة آل عمران ، آية ( 124 ) .
( 8 ) انظر الكشاف 1 / 188 .
( 9 ) سورة الأعراف ، آية ( 202 ) .
( 10 ) سورة آل عمران ، آية ( 21 ) .
( 11 ) سورة الليل ، آية ( 10 ) .