أُولئِكَ
الأولى أو الثانية خبرا عن
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
وتقدم تضعيف هذين القولين .
وكرر
أُولئِكَ
تنبيها أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى ثبتت لهم بالفلاح ، فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تميزهم بها عن غيرهم بمثابة لو انفردت لكفت مميزة على حدتها .
وجاء هنا بالواو بين جملة قوله :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
بخلاف قوله تعالى في الآية الأخرى :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
« 1 » لأن الخبرين هنا متغايران ، فاقتضى ذلك العطف ، وأما تلك الآية الكريمة فإن الخبرين فيها شيء واحد ، لأن التسجيل عليهم بالغفلة ، وتشبيههم بالأنعام معنى واحد ، وكانت عن العطف بمعزل قال الزمخشري :
وفي اسم الإشارة الذي هو
أُولئِكَ
إيذان بأن ما يرد عقيبه والمذكورين قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم كقول حاتم :
131 - وللّه صعلوك ثم عدد له خصالا فاضلة ثم عقب تعديدها بقوله :
132 -
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه * وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمّما « 2 »
والفلاح أصله الشق ومنه قوله : « إن الحديد بالحديد يفلح » « 3 » ومنه قول بكر بن النطاح « 4 » :
133 -
لا تبعثنّ إلى ربيعة غيرها * إنّ الحديد بغيره لا يفلح « 5 »
ويعبر به عن الفوز والظفر بالبغية وهو مقصود الآية ويراد به البقاء قال :
134 -
لو أنّ حيّا مدرك الفلاح * أدركه ملاعب الرّماح « 6 »
وقال آخر :
135 -
نحلّ بلادا كلّها حلّ قبلنا * ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير « 7 »
وقال :
136 -
لكلّ همّ من الهموم سعة * والمسي والصّبح لا فلاح معه « 8 »
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 179 ) .
( 2 ) انظر البيت في الكشاف ( 1 / 44 ) .
( 3 ) هو عجز بيت أورده في اللسان ( فلح ) ( 3458 ) ، مجمع الأمثال ( 1 / 8 ) .
( 4 ) بكر بن النطاح الحنفي أبو وائل شاعر غزل من فرسان بني حنيفة من أهل اليمامة رثاه أبو العتاهية بقوله :مات ابن نطاح أبو وائل * بكر ، فأضحى الشعر قد ماتا !وكان ذلك سنة 192 ه . فوات الوفيات ( 1 / 79 ) ، البداية والنهاية ( 10 / 208 ) ، تاريخ بغداد ( 7 / 90 ) ، الأعلام ( 2 / 71 ) .
( 5 ) لم نقف عليه .
( 6 ) البيت للبيد بن ربيعة . انظر ديوانه ( 333 ) ، المغني ( 1 / 270 ) ( 435 ) ، الهمع ( 1 / 139 ) ، الدرر ( 1 / 115 ) ، اللسان ( لعب ) .
( 7 ) البيت للبيد . انظر ديوانه ( 57 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 30 ) ، القرطبي ( 1 / 127 ) .
( 8 ) البيت للأضبط بن قريع . انظر القرطبي ( 1 / 127 ) .