يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام .
وقيل : هو كل ما يفلقه اللّه كالأرض عن النبات
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى
[ الأنعام : 95 ] والجبال عن العيون
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ
[ البقرة : 74 ] والسحاب عن المطر ، والأرحام عن الأولاد ، والقبض عن البسط ، والشدّة عن الفرج ، والقلوب عن المعارف . وقيل : هو واد في جهنم إذا فتح صاح جميع من في جهنم من شدّة حره كأن العبد قال : يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأسبق وأقدم من عذابك . وصاحب هذا القول زعم أن المراد من شر ما خلق أي من شدائد ما خلق فيها . وعن ابن عباس : يريد إبليس خاصة لأن اللّه تعالى لم يخلق خلقا هو شرّ منه . ويدخل فيه الاستعاذة من السحرة لأنهم أعوانه وجنوده . وقيل : أراد أصناف الحيوانات المؤذية من الهوام والسباع . وقيل : الأسقام والآفات والمحن فإنها شرور إضافية وإن جاز أن تكون خيرات باعتبارات أخر والكل بقدر كما مر في مقدمة الكتاب في تفسير الاستعاذة . وذكر في الغاسق وجوه ؛ فعن الفراء وأبي عبيدة : هو الليل إذا جنّ ظلامه ومنه غسقت العين أو الجراحة إذا امتلأت دمعا أو دما . وقال الزجاج : هو البارد وسمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار ، فعلى هذا لعله أريد به الزمهرير . وقال قوم : هو السائل من قولهم غسقت العين تغسق غسقا إذا سالت بالماء ، وسمي الليل غاسقا لانصباب ظلامه على الأرض . قلت : ولعل الاستعاذة على هذا التفسير إنما تكون من الغساق في قوله تعالى
إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً
[ النبأ : 25 ] والوقوب الدخول في الشيء بحيث يغيب عن العين . هذا من حيث اللغة . ثم أن الغاسق إذا فسر بالليل فوقوبه دخوله وهو ظاهر . ووجه التعوذ من شره أن السباع فيه تخرج من آجامها والهوام من مكامنها ، وأهل الشر والفتنة من أماكنها ، ويقل فيه الغوث ولهذا قالت الفقهاء : لو شهر أحد سلاحا على إنسان ليلا فقتله المشهور عليه لم يلزمه قصاص ولو كان نهارا لزمه لوجود الغوث . وقد يقال : إنه تنشر في الليل الأرواح المؤذية المسماة بالجن والشياطين ، وذلك لأن قوة الشمس وشعاعها كأنها تقهرهم ، أما في الليل فيحصل لهم نوع استيلاء . وعن ابن عباس : هو ظلمة الشهوة البهيمية إذا غلبت داعية العقل . قال ابن قتيبة : الغاسق القمر لأنه يذهب ضوؤه عند الخسوف ، ووقوبه دخوله في ذلك الاسوداد .
وعن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ بيدها وقال لها : استعيذي باللّه من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب .
وعلى هذا التفسير يمكن تصحيح قول الحكيم إن القمر جرم كثيف مظلم في ذاته لكنه يقبل الضوء عن الشمس ويختلف حاله في ذلك بحسب قربه منها وبعده عنها . ووقوبه إما دخوله في دائرة الظلام في الخسوفات ، وإما دخوله تحت شعاع الشمس في آخر كل شهر ، وحينئذ يكون منحوسا قليل القوة ولذلك تختار السحرة ذلك