تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
قيل : إن الثاني بدل الكل من الأوّل فالأحسن أيضا وضع المظهر مقام المضمر كيلا يكون المقصود مفتقرا إلى ما ليس بمقصود في الظاهر مع رعاية فواصل الآي . وقيل : لا تكرار في السورة لأن المراد بالأوّل الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه لشدّة احتياجهم إلى التربية ، وبالثاني الشبان ولفظ « الملك » المنبئ عن السياسة يدل عليه لمزيد افتقارهم إلى الزجر لقوّة دواعي الشهوة والغضب فيهم مع أن العقل الصادق لم يقو بعد ولم يستحكم ، وبالثالث الشيوخ ولفظة « آله » المنبئ عن استحقاق العبادة له يدل عليه لفتور الدواعي المذكورة وقتئذ ، فتتوجه النفس إلى تحصيل ما يزلفه إلى اللّه بتدارك ما فات . والمراد بالرابع الصالحون والأبرار فإن الشيطان مولع بإغوائهم . وبالخامس المفسدون والأشرار لأنه بيان الموسوس فإن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس كما قال
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام : 112 ] والخناس هو الذي من شأنه أن يخنس أي يتأخر وقد مر في قوله تعالى
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ
[ التكوير : 15 ] عن سعيد بن جبير : إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى ، وإذا غفل وسوس إليه فكما أن شيطان الجن يوسوس تارة ويخنس أخرى فكذلك شيطان الإنس يرى نفسه كالناصح المشفق ، فإن زجره السامع انخنس وترك الوسوسة ، وإن تلقى كلامه بالقبول بالغ فيه حتى نال منه . وقال قوم : الناس الرابع يراد به الجن والإنس جميعا وهو اسم للقدر المشترك بين النوعين كما روي أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم : من أنتم ؟ فقالوا : ناس من الجن . وقد سماهم اللّه رجالا في قوله
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ
[ الجن : 6 ] والناس الخامس هو المخصوص بالبشر ، ومعنى الآية على هذا التقدير أن هذا الوسواس الخناس لا يقتصر على إضلال البشر ولكنه يوسوس للنوعين فيكون قوله
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
بيانا للناس . وفي هذا القول نوع ضعف لأنه يعد تسليم أن لفظ « الناس » يطلق على القدر المشترك يستلزم الاشتراك المخل بالفهم . وذكر صاحب الكشاف أنه إن جعل قوله
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
بيانا للناس فالأولى أن يقال : الناس محذوف اللام كقولك الداع والقاض . قال اللّه تعالى
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
[ البقرة : 186 ] وحينئذ يكون تقسيمه إلى الجن والإنس صحيحا لأنهما النوعان اللذان ينسيان حق اللّه تعالى . وقيل
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
بدل من
الْوَسْواسِ
كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد ، ثم عمم فاستعاذ به من جميع الجنة والناس . وقوله
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ
المضاف محذوف أي من شر ذي الوسواس وهو اسم بمعنى الزلزلة . وأما المصدر فوسواس بالكسر ويحسن أن يقال سمي الشيطان به لأنه كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وعمله الذي هو عاكف عليه نظيره
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
[ هود : 46 ] وإنما قال
فِي صُدُورِ النَّاسِ
ولم يقل « في قلوبهم » لأن الشيطان لا تسلط له على قلب المؤمن الذي