تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
والفتح هو المقصود ، ولهذا قدم الأول على الثاني . وقيل : النصر كمال الدين والفتح الإقبال الدنيوي له ولأمته كقوله
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
[ المائدة : 3 ] وقيل : النصر هو الظفر على المنى في الدنيا والفتح في الآخرة
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 73 ] وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبدا منصورا بالدلائل والمعجزات إلا أن الغلبة على قريش بل على أكثر العرب لما حصلت في هذا التاريخ صح التقييد به . ثم إن جمهور المفسرين ومنهم ابن عباس ذكروا أن الفتح هو فتح مكة الذي يقال له فتح الفتوح . يروى أن فتح مكة كان سنة ثمان ونزول السورة سنة عشر ولم يعش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد نزولها إلا سبعين يوما ولذلك تسمى سورة التوديع ، وقد اتفق أكثر الصحابة على أنها دلت على نعي الرسول صلى اللّه عليه وسلم وفهمه بعض الصحابة منها ، وخطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد نزولها فقال : إن عبدا خيّره اللّه بين الدنيا وبين لقائه في الآخرة فاختار لقاء اللّه . قالوا : ومما يدل عليه أنه ذكر مقرونا بالنصرة وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر ، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير فإنه فتح البلد لكن لم يأخذ القوم . أما يوم فتح مكة فاجتمع له الأمران ، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم وذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم وقف على باب المسجد وقال : لا إله إلا اللّه وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده . ثم قال : يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم ؟ فقالوا : خير ، أخ كريم وابن أخ كريم . قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء . فسموا بذلك . وقيل : فتح خيبر . وقيل : فتح الطائف . وعن أبي مسلم : النصر على الكفار وفتح بلاد الشرك على الإطلاق . وقيل : انشراح الصدر للخيرات والأعمال الفاضلة ، والفتح انفتاح أبواب المعارف والكشوف . أما الذين قالوا إن الفتح فتح مكة وكان نزول السورة قبله على ما يدل عليه ظاهر صيغة إذا فالآية من جملة المعجزات لأنها إخبار بالغيب وقد وقع . واللام في الفتح بدل من الإضافة كأنه قيل : وفتح اللّه . قوله
وَرَأَيْتَ
ظاهره أنها رؤية القلب ، وجوز أن تكون رؤية البصر فيكون
يَدْخُلُونَ
حالا . وظاهر لفظ الناس يقتضي العموم فيجب أن يقدر غيرهم كالنسناس بدليل قوله
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ
[ الأعراف : 179 ] وسئل الحسن بن عليّ فقال : نحن الناس وأشياعنا أشباه الناس وأعداؤنا النسناس ، فقبّله عليّ بين عينيه وقال
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] قيل : إنهم لما دخلوا في الإسلام بعد مدة طويلة وتقصير كثير فكيف استحقوا المدح بأنهم الناس ؟ وأجيب بأنه إشارة إلى سعة رحمة اللّه فإن العبد بعد أن أتى بالكفر والمعصية سبعين سنة فإذا أتى بالإيمان في آخر عمره قبل إيمانه كأن الرب تعالى يقول : ربيته سبعين سنة فإن مات على كفره وقع في النار وضاع إحساني إليه في سبعين سنة . ويروى أن الملائكة تقول لمثل هذا الإنسان : أتيت وإن كنت قد أبيت . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم