تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
قريش . ولا يبعد أن تكون اللام بمعنى « إلى » أي فعلنا كل ما فعلنا مضمومة إلى نعمة أخرى وهي إيلافهم الرحلتين تقول : نعمة إلى نعمة ونعمة لنعمة . قال الفراء : ومما يؤيد هذا القول الثالث ما روي أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة بلا فصل . وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب من غير فصل بينهما بالبسملة . والمشهور المستفيض هو الفصل بينهما بالبسملة فإن لم تكن اللام متعلقة بما قبلها فلا إشكال ، وإن تعلقت بما قبلها من السورة فالوجه فيه أن القرآن كله بمنزلة كلام واحد والفصل بين طائفة وطائفة منه لا يوجب انقطاع إحدى الطائفتين عن الأخرى بالكلية . ثم إن هؤلاء قالوا : لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع ، وكان أشراف مكّة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب ، وأن ملوك النواحي كانوا يعظمونهم ويقولون : هؤلاء جيران بيت اللّه وقطان حرمه فلا يجترئ أحد عليهم ، فلو تم لأهل الحبشة ما عزموا عليهم من هدم الكعبة لزال منهم هذا العز فصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون ويغار عليهم ولا يتيسر لهم تجارة ولا ربح ، فلما أهلك اللّه أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحورهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب واحترمهم الملوك فضل احترام وازدادت تلك المنافع والمتاجر . قال علماء اللغة : ألفت الشيء وآلفته إلفا وإيلافا بمعنى أي لزمته ، وعلى هذا يكون قوله
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
من إضافة المصدر إلى الفاعل وترك مفعوله الأول . ثم جعل مقيدا ثانيا في قوله
إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ
إما لأن المقيد بدل من ذلك المطلق تفخيما لأمر الإيلاف وتذكيرا لعظيم المنة فيه ، وإما لأن الأول عام في كل مؤانسة وموافقة كانت بينهم فيدخل فيه مقامهم وسفرهم وسائر أحوالهم . ثم خص إيلافهم الرحلة بالذكر كما في قوله
جِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] لأنه قوام معاشهم . وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة . والإلزام ضربان : إلزام بالتكليف والأمر ، وإلزام بالمودة والمؤانسة ، فإنه إذا أحب المرء شيئا لزمه لقوة الداعي إليه ومنه
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
[ الفتح : 26 ] كما أن الالتجاء قد يكون لدفع الضرر كالهرب من السبع ، وقد يكون لجلب النفع العظيم كمن وجد كنزا ، ولا مانع من أخذه لا عقلا ولا شرعا ولا حسا فإنه يأخذه البتة كاللجأ . وقال الفراء وابن الأعرابي : الإيلاف التجهيز والتهيئة والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا . وعلى هذا القول يكون المصدر مضافا إلى الفاعل أيضا . وقيل : ألف كذا فلان لزمه وآلفه غيره إياه فيكون الإيلاف متعديا إلى اثنين ، والإضافة في
إِيلافِهِمْ
إضافة المصدر إلى المفعول والمعنى إن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير اللّه ولطفه وذلك بانهزام أصحاب الفيل ، واتفقوا على أن قريشا ولد النضر بن كنانة .