تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
اللّه صلى اللّه عليه وسلم أري في منامه بني أمية يطئون منبره واحدا بعد واحد وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة ، فشق ذلك عليه فأنزل اللّه تعالى
إِنَّا أَنْزَلْناهُ
إلى قوله
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
يعني ملك بني أمية . قال القاسم : فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولا ينقص ، وزيف بأن أيامهم كانت مذمومة فكيف تذكر في مقام التعظيم ؟ وأجيب بأنها كانت أياما عظيمة بحسب السعادات الدنيوية فلا يمتنع أن يقول اللّه تعالى أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك الأيام في بابها . السادسة في الآية بشارة عظيمة للمطيعين وتهديد بليغ للعاصين . أما الأول فلأنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير من ألف شهر ولم يبين قدر الخيرية وهذا كقوله صلى اللّه عليه وسلم « مبارزة علي مع عمرو بن عبد ودّ أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة » وكأنه قال : هذا لك بذلك والباقي عليّ أعطيتك به ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . فمن أحيا ليلة القدر فكأنه عبد اللّه نيفا وثمانين سنة ، ومن أحياها كل سنة فكأنه رزق أعمارا كثيرة ، ومن أحيا ليالي الشهر لينالها بيقين فكأنه أحيا ليلة القدر ثلاثين قدرا . يروى أنه يجاء يوم القيامة بالإسرائيلي الذي عبد اللّه أربعمائة سنة ، ويجاء برجل من هذه الأمة وقد عبد اللّه أربعين سنة ، فيكون ثوابه أكثر . فيقول الإسرائيلي : أنت العدل وأرى ثوابه أكثر فيقول : لأنكم تخافون العقوبة المعجلة فعبدتموني وأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم كانوا آمنين لقوله
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] ثم إنهم كانوا يعبدونني فلهذا السبب كانت عباداتهم أفضل ، وأما التهديد فلأن الظالم لا يخلصه من المظلوم أحد وإن أحيا مائة ليلة من القدر وكذا من عنده مظلمة لأحد وإن كانت بتطفيف حبة . السابعة أنه صح عن رسول اللّه قوله « أجرك على قدر نصبك » ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة فما التوفيق بين الحديث والآية ؟ والجواب أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الاعتبارات الشرعية أو العقلية . فصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بكذا درجة لأجل شرف الاجتماع . ولو قلت : لمن يرجم إنما يرجم لأنه زان فهو قول حسن ، ولو قلته للنصراني فقذف يوجب التعزير ، ولو قلته للمحصن فهو موجب للحد ، ولو قلته في حق عائشة كان كفرا وبهتانا عظيما وذلك لأنه طعن في حق عائشة التي كانت رجلا في العلم لقوله : « خذوا ثلثي دينكم من هذه الحميراء » وطعن في صفوان وهو رجل بدري وطعن في كافة المؤمنين لأنها أم المؤمنين وللولد حق المطالبة بقذف الأم وإن كافرا ، بل طعن في النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي هو أشرف المخلوقات ، بل طعن في حكمة اللّه إذ لا يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية ، فتبين أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب والعقاب باختلاف الجهات وبحسب الأزمنة والأمكنة ، وذلك من فضل اللّه وعنايته