تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
خصص أولا ثم عمم ، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا ، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله ، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهرا وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره ، ولا بد للكل من المعجزة . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه سئل عن الأنبياء فقال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قيل : فكم الرسل منهم ؟ قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا . قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية : أنه صلى اللّه عليه وسلم لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم . وكان ذات يوم جالسا في ناد من أنديتهم وقد نزل عليه سورة
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
[ النجم : 1 ] فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
[ النجم : 19 - 20 ] وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه « تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى » فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قراءته حتى ختم السورة ، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين ، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا : قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال : ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن اللّه ، فحزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخاف خوفا شديدا فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول . أما القرآن فكقوله
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
[ الحاقة : 44 - 46 ] وقوله
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
[ النجم : 3 ] وقوله
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ
[ الإسراء : 74 ] نفى القرب من الركون فكيف به ؟ وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال : هذا وضع من الزنادقة ، وقد صنف فيه كتابا وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم . وقد روى البخاري في صحيحه أنه صلى اللّه عليه وسلم قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق . وأما المعقول فهو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها ؟ وأيضا إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص . وأيضا إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجدا قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر . وأيضا منع الشيطان من أصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه . وأيضا لو جوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع ، ولناقض قوله
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
[ المائدة : 67 ] وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه . إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان : الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ
[ الآية :