78 ] وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان : أحدهما أنه ما يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله « تلك الغرانيق العلى » . وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها . وكيف وقعت ؟ ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك ، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد . وقيل : إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول . وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي .
قلت : الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله سبحانه
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
وقيل : إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في أثناء وقفاته . وقيل : إن المتكلم به الرسول قاله سهوا كما
روي عن قتادة ومقاتل أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان ،
ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان . وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه ، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس . وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله تعالى
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
[ النحل : 99 ] وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختيارا . ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان : أما الأول ففيه طريقان : أحدهما
قول ابن عباس في رواية أن « شيطانا » يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها ، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال : إنه أتاني آت على صورتك فألقاها على لساني .
وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها . والطريقان منحرفان عند المحققين ، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث . والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائنا في الوحي . وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه أراد بالغرانيق الملائكة ، وقد كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ اللّه تلاوته . أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار ، أو المراد بالإثبات هاهنا النفي كقوله
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
[ النساء : 176 ] قال الجوهري : الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق ، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون ، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق . القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمرا من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي ، ثم إن اللّه تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو