تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
للتعظيم أي لا يعظم اللّه ولا يجل من الرجال إلا العلماء به . ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه ، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطا برجائه . ثم مدح العالمين العاملين بقوله
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
الآية . قال أهل التحقيق : قوله
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ
إشارة إلى عمل القلب ، وقوله
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان . وقوله
وَأَقامُوا الصَّلاةَ
إشارة إلى عمل الجوارح ، والكل أقسام التعظيم لأمر اللّه . ثم أشار إلى الشفقة على خلق اللّه بقوله
وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ
وقوله
يَرْجُونَ
وهو خبر « إن » إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي ينفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة اللّه . وقوله
لِيُوَفِّيَهُمْ
متعلق ب
لَنْ تَبُورَ
أي تنفق عند اللّه ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم . وجوّز جار اللّه أن يجعل
يَرْجُونَ
في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة أي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية . وخبر « إن » قوله
إِنَّهُ غَفُورٌ
لهم
شَكُورٌ
لأعمالهم . وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس ف « من » للتبعيض أو هو القرآن ، و « من » للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و « من » للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله
مُصَدِّقاً
حال مؤكدة . وفي قوله
إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ
تقرير لكونه حقا لأن الذي يكون عالما بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل . وفيه لم يختر محمدا للرسالة جزافا وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته . قوله
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ
زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل
جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ
والإيراث الإعطاء ، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال : علمنا البواطن وأبصرنا الظواهر فاصطفينا عبادا ثم أورثناهم الكتاب . وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول أبينا آدم
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ الأعراف : 23 ] وقول يونس
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[ الأنبياء : 87 ] وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزا عليهم فالاقتصاد أولى . ويجوز أن يعود الضمير في قوله
فَمِنْهُمْ
إلى الأمة كأنه قيل : إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا ، وآتيناهم كتبا فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك ، ومقتصد آمن به ولم يأت بجميع ما أمر به ، وسابق آمن وعمل صالحا . وقال أكثرهم : إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار اللّه في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه . والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله
كُنْتُمْ خَيْرَ