تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
ج
تَحْوِيلًا
ه
قُوَّةً
ط
فِي الْأَرْضِ
ط
قَدِيراً
ه
مُسَمًّى
ج
بَصِيراً
ه .

التفسير :

لما بين دلائل الوحدانية بطريق الإخبار ذكر دليلا آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفيا ولا يراه من بحضرتك كان معذورا ، أما إذا كان بارزا مكشوفا فإنك تقول : أما تراه . والمخاطب إما كل أحد أو النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره . اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول . والالتفات في
فَأَخْرَجْنا
لأن نزول الماء يمكن أن يقال : إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة اللّه . وأيضا الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج . واختلاف ألوان الثمرات اختلاف أصنافها أو هيئاتها ، والجدد الخطط ، والطرائق « فعلة » بمعنى « مفعول » والجد القطع . قال جار اللّه : لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة ، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك ، وكذلك الحمرة . والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلا ثم أظهر ثانيا على طريقة قوله : والمؤمن العائذات الطير وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان هاهنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون . يقال : أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب . ويمكن أن يقال : إن المختلف صفة الحمر فقط . وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان ، وقدّم الإنسان لشرفه ، ثم ذكر الدواب على العموم ، ثم خصص الأنعام ، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان . وقوله
مُخْتَلِفٌ
أي بعض مختلف
أَلْوانُهُ
وذكر الضمير تغليبا للإنسان أو نظرا إلى البعض . وقوله
كَذلِكَ
أي كاختلاف الجبال والثمرات ، وفيه أن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضا دلائل . وحين خاطب نبيه بقوله
أَ لَمْ تَرَ
بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
كأنه قال : إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته ، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله . وفي الحديث « أعلمكم باللّه أشدّكم خشية له » وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون اللّه من بين عباده هم العلماء دون غيرهم ، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحا وهو أنهم لا يخشون أحدا إلا اللّه إلا أن ذلك غير مراد هاهنا . وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة أنهما قرءا برفع اللّه ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة