تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
أمرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة . فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب ؟ فقام يصلي متكئا على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتا وذلك بعد سنة . والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضا إذا أكلتها الأرضة . والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر ، وقد يترك همزها . وقرئ من سأته أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة . وتبينت بمعنى ظهرت « وأن » مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك « تبين زيد جهله » أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زورا . أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادّعوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته : هل تبينت أنك مبطل . وأنت تعلم أنه لم يزل متبينا لذلك . وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة ، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات ، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه . ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة . وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر ، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . ثم سميت مدينة مأرب بسبإ ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث . من قرأ مساكنهم فظاهر . ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكناهم وهو بلدهم وأرضهم . عن الضحاك : كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام . ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران ، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره . قال جار اللّه : لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعتين من البساتين : جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها ، كأن كل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة ، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ
[ الكهف : 32 ] . وقوله
كُلُوا مِنْ رِزْقِ
حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبيا على ما روي . وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض . وكذا قوله
وَاشْكُرُوا لَهُ
لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة . وكذا قوله
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ
أي عن المؤذيات من العقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات ، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ
[ الأعراف : 58 ]
وَرَبٌّ غَفُورٌ
أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 489 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات