قعد أظله النسران بأجنحتهما . وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه . والجفنة القصعة الكبيرة ، والجوابي الحياض الكبار ، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازا وهي من الصفات الغالبة كالدابة ، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل . وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدورها فذكر أنها قدور راسيات ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها . ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت ، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة ، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام .
ثم بين بقوله
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة . وانتصب
شُكْراً
على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين ، أو مصدرا لأن
اعْمَلُوا
في معنى الشكر ، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح . وقال جار اللّه : إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا . قلت : وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كاف وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي .
يروى أن داود عليه السلام جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي .
والشكور هو المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم : اللهم اجعلني من الأقلين . وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم اللّه فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول اللّه : عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاكرا لأنعمي بأسرها ، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها . وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له ، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي اللّه أولى بذلك .
يروى أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه ، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه ، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحيانا . فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها اللّه عزّ وجل فيسألها لأي شيء أنت ؟
فتقول : لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت ؟ فقالت : لخراب هذا المسجد . فقال : ما كان اللّه ليخربه وأنا حيّ . فقال : اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب . وقال لملك الموت : إذا أمرت بي فأعلمني . فقال :