تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
ومبنيا وجدناه غدونا من إصطخر فقلناه ، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء اللّه . ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر ، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر . روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام . زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحهم فيسبح . والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهي كالريح . وقوله
غُدُوُّها شَهْرٌ
أي ثلاثون فرسخا لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع . والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها . والمراد بالشياطين ناس أقوياء . ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة اللّه في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات . وقال في التفسير الكبير : الجبال لما سبحت تشرفت بذكر اللّه فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب ، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة . أو نقول : الجبل في السير ليس أصلا بل هو يتحرك معه تبعا ، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح . وهاهنا نكتة وهي أن اللّه تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان . لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان . إذ كل منهما ثقيل مع خفيف ، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح . وأيضا تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب أبدا اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير . وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر . وفي قوله
بِإِذْنِ رَبِّهِ
إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة . وفي قوله
عَنْ أَمْرِنا
دون أن يقول « عن أمر ربه » إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر اللّه ، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة ، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة . قال ابن عباس : عذاب السعير عذاب الآخرة . وعن السدي : كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني . ثم فصل عمل الجن بقوله
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ
وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في « آل عمران » . والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم . عن أبي العالية : لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرما ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها . ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ، ونسرين فوقه ، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما ، وإذا