حبا . وفي قوله :
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
رمز إلى أنه جواد مطلق لا يرحم لمنفعة تعود إليه ، ولا لمضرة يدفعها عنه ، ولا يطلب شيئا ، ولا يجلب مدحا وكل رحيم سواه . فأما رحمته لغرض من الأغراض أو لرقة طبع ونحو ذلك على أن تلك الرحمة أيضا تتوقف على داعية يخلقها اللّه فيه ، والآفات والآلام التي تراها في هذا العالم كلها مستندة إلى صفة قهره التي لا بد لكل ملك منه أو مستتبعة لمصالح وغايات لا يعلمها إلا هو ، وإنها ضرورية في الوجود لاشتمالها على خيرات أكثر من الشرور . واختلف العلماء في السبب الذي لأجله دعا اللّه أيوب ؛
فعن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : إن أيوب عليه السلام بقي في البلاء ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فدخلا عليه ذات يوم فوجدا ريحا فقالا : لو كان أيوب عند اللّه خير ما بلغ إلى هذه الحالة . قال : فما شق على أيوب شيء مما ابتلي به مثل ما سمع منهما . فقال : اللهم إن كنت تعلم إني لم أبت شبعان وأنا أعلم بمكان جائع فصدق وهما يسمعان ثم خر أيوب ساجدا . وقال : اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي فكشف اللّه ما به .
وقال الحسن : مكث أيوب بعد ما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهرا ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام . وكان أيوب مواظبا على حمد اللّه والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه فصرخ إبليس صرخة جزعا من صبر أيوب فاجتمع جنوده من أقطار الأرض وقالوا له :
ما خبرك ؟ قال : أعياني هذا العبد الذي سألت اللّه أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فإنه لا يزيد بالبلاء إلّا صبرا وحمدا للّه تعالى . فقالوا له : أين مكرك أين عملك الذي أهلكت به من مضى ؟ من أين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة ؟ قال : من قبل امرأته . قالوا : فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقربه أحد غيرها . قال : أصبتم .
فانطلق حتى إذا أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل فقال : أين بعلك يا أمة اللّه ؟ قالت : هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده . فظن إبليس أنها جزعت فطمع فيها ووسوس إليها وذكر لها ما كان بها من النعم والمال ، وذكرها جمال أيوب وشبابه . قال الحسن : فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة وقال : لتذبح هذه باسم أيوب ويبرأ . قال :
فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال وأين الماشية ؟ أين الولد ؟ أين الصديق ؟ أين اللون ؟ أين الحسن ؟ أين جسمك الذي قد بلى وقد صار مثل الرماد وتتردد فيه الدواب ؟ اذبح هذه السخلة واسترح ، فقال أيوب : أتاك عدوّ اللّه ونفخ فيك ويلك من أعطانا الذي تذكرين من المال والولد والصحة ؟ قالت : اللّه . قال : كم متعنا به ؟ قالت : ثمانين سنة . قال : فمنذ كم ابتلانا اللّه بهذا البلاء ؟ قالت : منذ سبع سنين وأشهر . قال : ويلك ما