تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
عليه من الإنكار والإصرار ، وقد سبق مثل هذه الآية في أول « الحجر » . والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد ، وفيه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإن اليأس إحدى الراحتين . قال في الكشاف : ليس الفاء في قوله
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
فَيَقُولُوا
لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة ، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة . فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة . نظيره قولك : إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك اللّه ، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة . قلت : هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء اللّه العزيز . ثم نكرهم بقوله
أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ
وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة ؟ وجوز في الكشاف أن يكون
يَسْتَعْجِلُونَ
حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم ، أو يكون متصلا بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن ، فأنكر اللّه عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل . ثم قال : هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك ؟ . عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له : عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون : لقد وعظت فأبلغت . ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم ، وعلى هذا يكون
ذِكْرى
متعلقة ب
أَهْلَكْنا
مفعولا له . ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا ل
أَنْذِرْ
بمعنى التذكرة فإن
أَنْذِرْ
وذكر متقاربان ، أو حالا من الضمير في
مُنْذِرُونَ
أو مفعولا له متعلقا به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير ، أو التقدير : هذه ذكرى فالجملة اعتراض . ويجوز أن يكون صفة ل
مُنْذِرُونَ
على حذف المضاف أي ذوو ذكرى ، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها . والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ
[ الحجر : 4 ] إلا أنا نذكر هاهنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول : لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزنا : فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله
وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ
[ الحجر : 4 ] وقوله
لَها مُنْذِرُونَ
حالا أو وصفا فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد ، وذلك أن قوله
وَلَها كِتابٌ
صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في