تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة ، وبصيرة هي القوة العاقلة . ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين ، وأما القوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سببا لإحساس آخر ، والإدراك العقلي يصير سببا لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة ، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلا بعد سماع الصوت الشديد ، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها ، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن ، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن ، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد ، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة ، بل يدرك ذات اللّه وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة ، والحس لا يدرك من الأشياء إلا ظواهرها ، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها ، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات ، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى . وإدراك العقل قد يكون مقدما على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي ، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نورا فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نورا ، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلا ، فنور البصيرة أيضا يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نورا
وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا
[ التغابن : 8 ] والنبي نورا
وَسِراجاً مُنِيراً
[ الأحزاب : 46 ] فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام . ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 5 ]
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ
[ النحل : 102 ] فكل الأنوار تنتهي إلى ما لا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو اللّه سبحانه . والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مرارا وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات . وأيضا الوجود نور والعدم ظلمة ، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى اللّه سبحانه ولا كمال فوق كماله ، فهو نور الأنوار . وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار ، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره ، واحتجب عنهم بإشراق نوره ، ومن هنا قال صلى اللّه عليه وسلم « إن للّه سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره »