تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع ، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالا من القذف مع الكفر . لا يقال : المسلمون لا يعبئون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم . وأيضا الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول : هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله صلى اللّه عليه وسلم « لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين » واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة ، ومثله قوله صلى اللّه عليه وسلم « المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف » « 1 » ولم يذكر التوبة . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « لا تجوز شهادة محدود في الإسلام » « 2 » والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه : منها قوله صلى اللّه عليه وسلم « إذا علمت مثل الشمس فاشهد » « 3 » فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثا . ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر ، وهاهنا قد ظهرت العفة والصلاح . ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم : من أكذب نفسه قبلت شهادته . فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما . وقد بقي في الآية مسائل . الأولى : قال الشافعي : لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين . وقال أبو حنيفة : إذا جاءوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة . حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آت بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية . وأيضا القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه أبعد عن التهمة والتواطؤ . وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة . وأيضا لا يجب أن يشهدوا معا في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر . حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهدا ، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع ، ونظيره ما روي أن المغيرة بن
هامش
( 1 ، 2 ) رواه ابن ماجة في كتاب الأحكام باب 30 . أحمد في مسنده ( 2 / 208 ) ولم يذكر القذف . ( 3 ) رواه البخاري في كتاب الأحكام باب 15 بلفظ « إن عرفتها فاشهد وإلا فلا تشهد » .