تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
إلا في الزنا ، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان . وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض ، فالصريح أن يقول : يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك . والأصح أن قوله « زنى بدنك » صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة . والكناية أن يقول « يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امرأته لا تردّ يد لامس » فهذا لا يكون قذفا إلا أن يريده . وكذا لو قال لعربي « يا نبطي الدار واللسان » وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه . والتعريض ليس بقذف كقوله « يا ابن الحلال » و « أما أنا فليست أمي بزانية » وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه . وقال مالك : يجب الحد فيه . وقال أحمد وإسحاق : هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم « ادرءوا الحدود بالشبهات » « 1 » والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض . حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر : واللّه ما أرى أبي بزان ولا أمي بزانية . فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل : مدح أباه وأمه . وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا . فجلده عمر ثمانين . وإذا قذف شخصا واحدا مرارا فإن أراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مرارا « زنيت بعمرو » لم يجب إلا حد واحد . ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني . وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال « زنيت بزيد وزنيت بعمرو » فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مرارا يكتفي بلعان واحد . وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال « يا ابن الزانيين » فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه ، هذا هو الجديد من قولي الشافعي . وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين ، ولأنه صلى اللّه عليه وسلم قال لهلال بن أمية « أو حدّ في ظهرك » فلم يوجب عليه الا حدا واحدا مع قذفه لامرأته . ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مرارا أو شرب أو سرق مرارا والجامع رفع مزيد الضرر . وأجيب بأن قوله
وَالَّذِينَ
صيغة جمع وقوله
الْمُحْصَناتِ
كذلك . وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى : كل من رمى محصنة فاجلدوه . وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد . ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة . وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في كتاب الحدود باب 2 . بلفظ « ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم » .