تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
إقامة الحد ، وحينئذ يكون منكرا للدين فلهذا يخرج من الإيمان . وفي الحديث « يؤتي بوال نقص من الحد سوط فيقال له : لم فعلت ذاك ؟ فيقول : رحمة لعبادك . فيقول له : أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار » روى أبو عثمان النهدي قال : أتي عمر برجل في حد ، ثم جيء بسوط فيه شدة فقال : أريد ألين من هذا . فأتي بسوط فيه لين فقال : أريد أشد من هذا . فأتي بسوط بين السوطين . وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال : ما ينبغي لجسد هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص . فقال أبو عبيدة : لا تدعوه ينزع قميصه وضربه عليه . ولا خلاف في أن المرأة لا يجوز تجريدها بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ويلي ذلك منها امرأة . وجوّز الشافعي الضرب على الرأس لما روي أن أبا بكر قال : اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه . وقال أبو حنيفة : حكم الرأس حكم الوجه لأن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس وفي الوجه واحد ، وأما في سائر البدن فلا يجب إلا الحكومة . وأيضا إن ضرب الرأس يوجب في الأغلب ظلمة البصر ونزول الماء واختلاط العقل كالوجه فإنه أيضا عرضة للآفات وفيه الأعضاء الشريفة اللطيفة . وللشافعي أن يقول : إنما يحترم الوجه لما جاء في الحديث « إن اللّه تعالى خلق آدم على صورته » « 1 » وهذا المعنى مفقود في الرأس . ولتكن إقامة الحد في وقت اعتدال الهواء إلا إذا كان رجما فإن المقصود - وهو قتله - لا يتفاوت بذلك . ولهذا يرجم المريض أيضا في مرضه . وقيل : إن كان مرضا يرجى برؤه يؤخر كما في الجلد لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم وقد أثر الرجم في بدنه فتعين شدة الحر والبرد مع المرض على إهلاكه ، وهذا بخلاف ما ثبت بالبينة فإنه لا يسقط . وفي الجلد إن كان المرض مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة فلا يؤخر سواء زنى في حال الصحة أو في حال المرض ولكن لا يضرب بالسياط عند الشافعي ، لأن المقصود ليس موته بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ كما روي أن مقعدا أصاب امرأة فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة . والأثكال والعثكال الغصن الذي عليه فروع خفيفة من النخل أو من غيره . وعند أبي حنيفة يضرب بالسياط . ثم إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق ، لأن ماعزا لما مسته الحجارة هرب فقال صلى اللّه عليه وسلم : هلا تركتموه . وعن الحسن وابن أبي ليلى وداود أنه لا يقبل رجوعه . ويحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها ، ولا يحفر للرجل كما في حق ماعز إذ لو كان في
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الاستئذان باب 1 . مسلم في كتاب البر حديث 115 . أحمد في مسنده ( 2 / 244 ، 251 ) .