تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ
أما قوله :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
فقد قال القاضي : يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم ، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام . عن ابن عباس : ضمن اللّه لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله :
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى
والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف ، واتباع كتاب اللّه يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة . وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهوّن عليه مصائب الدنيا وآفاتها . ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر هاهنا هو الهدى المذكور لأن قوله :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
في مقابلة قوله :
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ
. وقد مر في أول « البقرة » أن المراد به الشريعة والبيان . وقال كثير من المفسرين : إن الذكر هو القرآن وسائر كتب اللّه وفيه نوع تخصيص . والضنك الضيق مصدر وصف به . ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث . يقال : منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل : ذات ضنك . قالت الحكماء : عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدّته وكثرة شوائبه ، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة . وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة . أما الأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشا رافغا . والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا . عن ابن عباس : المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها ، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة . وسئل الشبلي عن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا اللّه العافية » فقال : أهل البلاء هم أهل الغفلات عن اللّه تعالى فعقوبتهم أن يردهم اللّه تعالى إلى أنفسهم وأيّ معيشة أضيق وأشد من أن يرد الإنسان إلى نفسه . قلت : التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم ، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفا فكثيرا ما يؤول أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضا خوفا من المآل . وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه : « عذاب القبر للكافر » وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد اللّه المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه . وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق