تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
يكون موسى أفضل . وجوابه المنع بدليل
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 10 ] وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سرا وكلامه مع محمد سر لم يستأهل له سواه . وأيضا حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم ؛ المصلي يناجي ربه ، وفي الآخرة شرف التسليم والتسليم
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] . وأيضا إن موسى كان عند استغراقه في بحر المحبة متعلقا بالعصا ومنافعها ، ومحمد عليه السلام لم يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
[ النجم : 17 ] بل كان فانيا عن الأغيار باقيا بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذ على قوله « أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » . وهاهنا نكت منها : أنه سبحانه لما أشار إلى العصا واليد بقوله
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما - وهو الجماد - حيوانا والآخر - وهو الكثيف - نورانيا لطيفا . ثم إنه تعالى ينظر في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حيا مستنيرا . ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حيا فكيف لا يصير قلب المؤمن الذي هو بين إصبعين من أصابع الرحمن حيا ! ومنها أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء . ثم إن جواب موسى عليه السلام يتم بقوله
هِيَ عَصايَ
إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة إلى درك الغرض . وقيل : هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر منافعها . وقيل : خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين . ومعنى
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب يدور على الشد والإيثاق .
وَأَهُشُّ بِها
أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله . والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه « رجل هش المكسر » أي سهل الشأن فيما يطلب من الحوائج وهو مدح « وهش الخبز » يهش بالكسر إذا كان ينكسر لرخاوته . قال المحققون : إن موسى عليه السلام كان يتوكأ على العصا ومحمد صلى اللّه عليه وسلم كان يتكل على فضل اللّه ورحمته قائلا مع أمته
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
[ آل عمران : 173 ] فورد في حقه حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين [ الأنفال : 64 ] أي حسبك وحسب من اتبعك . وأيضا إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
ثم بمصالح رعيته
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب الصلاة حديث 222 . أبو داود في كتاب الصلاة باب : 148 . النسائي في كتاب قيام الليل باب : 51 . الترمذي في كتاب الدعوات باب : 75 ، 112 . ابن ماجة في كتاب الدعاء باب : 3 . الموطأ في كتاب مسّ القرآن حديث 31 . أحمد في مسنده ( 1 / 96 ، 118 ) .