يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا . قوله
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
[ الأعراف : 107 ] وفي موضع آخر
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ
وفي آخر
كَأَنَّها جَانٌّ
[ النمل : 10 ] عبارات عن معبر واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم . وأما الثعبان - وهو العظيم من الحيات - والجان - وهو الدقيق منها - فبينهما تناف في الظاهر لا في التحقيق ، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة كالجان ، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعبانا آخر الأمر . أو أنها كانت في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة حركة . والعجب أن موسى قال
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
فصدّقه اللّه تعالى في ذلك وجعلها متكئا له بأن كانت أعظم معجزاته . وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ظهور الدلالة كهذه ، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات . وأيضا لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوّه ؛ فالولي يستر العيوب والعدوّ يبرز المناقب في صورة المثالب ، فكيف إذا وجد مجال طعن وقدح ؟ ! وقد مر في « الأعراف » أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس ، وكان بين لحييها أربعون ذراعا ، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر ، ولو أنه بلغ حينئذ مقام
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
[ الذاريات : 50 ] لم يفر عن شيء . أو لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه اللّه تعالى أنه بعد في نقص الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من اللّه وحده .
فقد روي أنه لما قال له ربه :
لا تَخَفْ
بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها ،
قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري : ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة ، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة . وعن بعضهم أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها .
قلت : يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا علل عدم خوفه بقوله
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
قال جار اللّه : السيرة من السير كالركبة من الركوب . يقال : سار فلان سيرة حسنة . ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة ومنه سير الأولين ، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها الأولى حال ما كانت عصا ، أو يكون أعاد منقولا بالهمزة من عاده بنزع الخافض بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين ، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ثانيا . ونصب
سِيرَتَهَا
بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى حيث كنت تتوكا عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها . ثم قوى أمره بمعجزة ثانية فقال
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ
يقال : لكل