والجواب لا نسلم أن « كاد » إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط ، والباقي موكول إلى القرينة .
ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين كأنه قال : أكاد لا أقول هي آتية لفرط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به . وبالغ بعض المفسرين في هذا المعنى فقال : أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبيّ كذلك . فقال قطرب : هذا على عادة العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا : كتمته من نفسي . وقيل : « كاد » من اللّه واجب وأراد أنا أخفيها من الخلق كقوله
عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً
[ الاسراء : 51 ] أي هو قريب قاله الحسن . وعن أبي مسلم أن « أكاد » بمعنى أريد كقوله
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ
[ يوسف : 21 ] ومنه قولهم « لا أفعل ذلك ولا أكاد » أي لا أريد أن أفعله . وقيل : أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها . وقال أبو الفتح الموصلي : الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
[ القمر : 1 ] ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره . وقوله
لِتُجْزى
متعلق ب
أُخْفِيها
كما قلنا أو ب
آتِيَةٌ
، فلو لا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسئ وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة . واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه قال
بِما تَسْعى
أي بسعيها . فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا الإسناد ، ولو لم يكن الثواب مستحقا على العمل لم يكن لباء السببية معنى والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى اللّه ، واستناد الجزاء إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها . ومعنى الفاء في
فَلا يَصُدَّنَّكَ
أنه إذا صح عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن التصديق بالساعة ، لأن قوله ناشئ عن الهوى واتباعه . وجوّز أبو مسلم أن يكون الضمير في
عَنْها
للصلاة .
والعرب تذكر شيئين ثم ترمي بضميرهما إلى السامع اعتمادا على أنه يرد كلا منهما إلى ما هو له ، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة هنا . وأما الخطاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه . وجوّز بعضهم أن يكون لنبينا عليه السلام والمقصود الأمة ، والنهي عن الصد في الظاهر لمن لا يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب . والوجه فيه أن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب ، أو صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب كأنه قيل : كن في الدنيا صلبا حتى لا يطمع في إغوائك الكافر . والذي دعا إلى هذا النهي البالغ في معناه هو أن المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا . وفيه