تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
وهي نار الأشجار .
فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا
إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة والخادم والولد . ويجوز أن يخاطب المرأة وحدها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر لفظ الأهل فإنه اسم جمع . وأيضا فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيما أي أقيموا في مكانكم فقد
آنَسْتُ ناراً
أي أبصرت إبصارا لا شبهة فيه أو إبصارا يؤنس به . والتركيب يدل على الظهور ، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء ، ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم ، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور المطلوب وهو المأنوس به . قال جار اللّه : لما وجد الإيناس وكان مقطوعا متيقنا حققه لهم بكلمة « إن » ليوطن أنفسهم . ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلا
لَعَلِّي آتِيكُمْ
قال المحققون : فيه دلالة على أن إبراهيم عليه السلام لم يكذب البتة لأن موسى قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل « إني آتيكم » لئلا يعد ما لم يستيقن الوفاء به ، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب الصريح . والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما . و
هُدىً
على حذف المضاف أي ذوي هدى ، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى . والظاهر أنه أراد قوما يهدونني الطريق . وعن مجاهد وقتادة : قوما ينفعونني بهداهم في أبواب الدين ، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا يشغلهم عنها شاغل . ومعنى الاستعلاء في علي النار وهو مفعول ثان لأجد ، أو حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها كفنوها قياما وقعودا فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مستويين .
فَلَمَّا أَتاها
أي أتى النار . قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد ، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما فخاف وبهت فألقيت عليه السكينة ، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة . وقال وهب : ظن موسى أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها ، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها ، ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن ، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء ، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار ، فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي
يا مُوسى
من قرأ
إِنِّي
بالفتح فتقديره نودي بأني ، ومن قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول ، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى . وتكرير الضمير في « أنّي »
أَنَا رَبُّكَ
لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة . روي أنه لما نودي يا موسى قال : من المتكلم ؟ فقال اللّه عزّ وجلّ : إني أنا ربك . فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان . فقال : أنا عرفت أنه كلام اللّه بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل جارحة مني صارت