مستقرا . وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلا منا أمور منها : الافتنان في الكلام على عادتهم . ومنها تنسيق الصفات مع لفظ الغيبة . ومنها التفخيم بالإسناد أولا إلى ضمير المتكلم المطاع في
أَنْزَلْناهُ
ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد . وقيل : أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا التفات .
و
الْعُلى
جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السماوات بها دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها . ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة . ومنه قول الحكماء : عقول الرجال تحت لسان أقلامهم . وارتفع
الرَّحْمنُ
على المدح على تقدير هو الرحمن ، أو هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق . والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة قد مر مشبعا في « الأنعام » في قوله
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الأنعام : 18 ] وفي الأعراف في قوله
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ
[ الآية : 54 ] فلا حاجة إلى الإعادة . ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله
لَهُ ما فِي السَّماواتِ
الآية . عن محمد بن كعب : أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين . وعن السدي : هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة .
وقيل : الثور أو الحوت . والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز البحر من جرم الأرض ، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا اللّه سبحانه من المعادن وغيرها ، ولا ريب أن الكل للّه سبحانه . ثم بيّن كمال علمه بقوله
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك ما أخطرته ببالك ، أو السر هذا وأخفى منه ما استسره . وقيل : أخفى فعل ماض أي يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلم هو . قلت : هذا المعنى صحيح لأنه تعالى محيط بجميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على غيوبه أحد ، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال صاحب الكشاف : وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط . وأجيب بأن معناه إن تجهر بذكر اللّه من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك . فإما أن يكون نهيا عن الجهر كقوله
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
[ الأعراف : 205 ] وإما أن يكون تعليما للعباد أن الجهر ليس لإسماع اللّه وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدي غيره به . ومن فوائد الآية زجر المكلف عن القبائح - ظاهرة كانت أو باطنة - وترغيبه في الطاعات - ظاهرة وباطنة - وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه تعالى في تفسير قوله
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[ البقرة : 31 ] وفي غير ذلك من المواضع المناسبة ، فلنقتصر الآن على ذلك . ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره . واعلم أن