تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه ، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره ، والواو في
وَالشَّياطِينَ
إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة ، وإذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة ، وإن كان الضمير عائدا إلى منكري البعث فقط فلا إشكال . وكذا في قوله :
لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
أي جثيا على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل ، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم .
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ
لنميزن
مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
طائفة شاعت أي تبعت غاويا من الغواة ، وقد سبق تفسيره في الأنعام .
أَيُّهُمْ أَشَدُّ
قرئ بالنصب وهو ظاهر ، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين : أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى ، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكورا والتقدير : أيهم هو أشد . وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول
لَنَنْزِعَنَّ
بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيهم أيهم أشد ، فيكون من كل شيعة مفعول
لَنَنْزِعَنَّ
كقولك « أكلت من كل طعام » أي بعضا من كل . ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد ، قال سيبويه : لو جاز « اضرب أيهم » أفضل على الحكاية لجاز « اضرب الفاسق الخبيث » أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام . ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل « أيّ » معلق عن العمل ، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب . ثم إن علقت قوله :
عَلَى الرَّحْمنِ
ب
أَشَدَّ
كقولهم : « هو أشد على خصمه » فظاهر ، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله . فالوجه أن يقال : إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوّه على من ؟ فقيل : على الرحمن . وكذا الكلام في
أَوْلى بِها صِلِيًّا
تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو ب
صِلِيًّا
على التأويل . صلى فلان النار يصلى صليا إذا احترق . أخبر أوّلا أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله :
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا
أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم ، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال ، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعا مشتركين في شدة العتوّ . ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال : ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلي لكون دركاتهم أسفل .