تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء . هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها ؟ قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
[ إبراهيم : 48 ] وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء . فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم ، ثم يرفع اللّه أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها . قلت : هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر ، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار ، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله :
كانَ
أي الورود
عَلى رَبِّكَ حَتْماً
أي محتوما مصدر بمعنى المفعول
مَقْضِيًّا
قضى به وعزم أن لا يكون غيره ، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار . وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على اللّه عقلا . وقال الأشاعرة : شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه . وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها ، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط ، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين . وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها ، وهب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتا عنه . ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله :
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ
ومنع أن الصيغة للعموم ، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر . قال :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا
الآية ، والمراد أنهم عارضوا حجة اللّه بكلام أعوج فقالوا : لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس ، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه . يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على اللّه عزّ وجل منهم . قال جار اللّه : معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد ، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات ، أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا ، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها ، أو حججا وبراهين . وعلى التقادير تكون حالا مؤكدة كقوله :
وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً
[ البقرة : 91 ] لأن آيات اللّه لا تكون إلا بهذه الأوصاف . ومعنى
لِلَّذِينَ آمَنُوا
أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم وفي شأنهم . والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل ، وبالفتح موضع القيام ، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون . قوله :
أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ
يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من