حقيقي والفاصل حاصل . والبكي جمع باك « فعول » كسجود في « ساجد » أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة . ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجدا .
عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا » « 1 »
أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب . وقال غيره : إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي . قلت : لعل المراد بآيات اللّه ما خصهم اللّه تعالى به من الكتب المنزلة ، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلا واختلفوا في السجود . فقيل : هو الخشوع والخضوع . وقيل : الصلاة . وقيل : سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به . ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود . قال الزجاج :
الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا فالمراد خروا متهيئين للسجود .
عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اقرءوا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن » « 2 » .
وعن ابن عباس : إذا قرأتم سجدة « سبحان » فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه . وقالت العلماء : يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال : اللّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك . وإن قرأ سجدة « سبحان » قال : اللّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك . وإن قرأ ما في هذه السورة قال : اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك .
ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيبا لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلا
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
وهو عقب السوء كما مر في آخر « الأعراف » فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجدا ، واتباع الشهوات بإزاء البكاء . عن ابن عباس :
هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب . وعن إبراهيم النخعي ومجاهد : أضاعوها بالتأخير .
وعن علي رضي اللّه عنه في قوله :
وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور .
وعن قتادة : هو في هذه الأمة
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
قال جار اللّه : كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد . وقال الزجاج : هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله :
يَلْقَ أَثاماً
[ الفرقان : 68 ] أي مجازاة أثام . وقيل : غيا من طريق الجنة . وقيل : هو واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ
على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب الإقامة 176 . كتاب الزهد باب 19 .
( 2 ) رواه ابن ماجة في كتاب الإقامة باب : 176 .