تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال : إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف ، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك
فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
مستويا مؤدّيا إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد . استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع . وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره . والإنصاف أن هذا الطريق أسهل . ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال :
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان . ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال :
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
حين ترك أمره بالسجود عنادا واستكبارا لا نسيانا وخطأ ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان ، وأن الرحمن مصدر كل خير ، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي ، وهذا القدر كاف من التنبيه لمن تأمل وأنصف . ثم بين الباعث على هذه النصيحة فقال :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ
وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب . قال الفراء : معنى أخاف أعلم . والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم عليه السلام لم يكن جازما بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه . والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال : أنا خائف على ولدي . وذكروا في الولي وجوها منها : أنه إذا استوجب عذاب اللّه كان مع الشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالبا ، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز . وليس هناك ولاية حقيقة لقوله :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
[ الزخرف : 67 ]
إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ
[ إبراهيم : 22 ] ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار اللّه : جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب ، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عزّ من قائل :
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ التوبة : 72 ] وإذا كان رضوان اللّه أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار . ثم إن الشيخ قابل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلا
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ
فقدم الخبر على المبتدأ إشعارا بأنه عنده أعنى . وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته . وفي قوله :
يا إِبْراهِيمُ
دون أن يقول : « يا بني » في مقابلة
يا أَبَتِ
تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلا
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ
باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجام . ثم هاهنا إضمار أي