أولى منه بكلام موسى ، أو البين بمعنى الافتراق أي البحران المفترقان يجتمعان هناك .
ويحتمل على هذا أن يعود الضمير إلى موسى والخضر أي وصلا إلى الموضع الذي وعد اجتماع شملهما هناك ، أو البين بمعنى الوصل لأنه من الأضداد فيفيد مزيد التأكيد كقولهم « جد جده » . وهذه الوجوه مما لم أجدها في التفاسير ، فإن كان صوابا فمن اللّه وإلا فمني ومن الشيطان
نَسِيا حُوتَهُما
لأنه تعالى جعل انقلاب الحوت حيا علامة على مسكن الخضر قيل : إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملوحة فطفرت وسارت . وقيل : إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب إلى الماء .
وقيل : انفجرت هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر . ونسيان الحوت للذهول عن الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب ، والسبب في هذا الذهول مع أن هذه الحالة كانت أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها ، هو أن يوشع كان قد تعود مشاهدة المعجزات الباهرة فلم يبق لحياة السمكة ولقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه وقع عنده .
وقيل : إن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال اللّه عن قلب صاحبه هذا العلم الذي يشبه الضروري تنبيها لموسى عليه السلام ، على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم اللّه وحفظه على قلوب عباده . وانتصاب قوله :
سَرَباً
على أنه مفعول ثان لاتخذ أي اتخذ سبيله سبيلا سريا وهو بيت في الأرض ، وذلك أن اللّه تعالى أمسك إجراء الماء عن الحوت وجعله كالكوة حتى سرى الحوت فيه معجزة لموسى عليه السلام وللخضر .
وقيل : السرب هو الذهاب والتقدير سرب في البحر سربا إلا أنه أقيم قوله :
وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ
مقام « سرب »
فَلَمَّا جاوَزا
أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الصخرة قال موسى
لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا
وهو ما يؤكل بالغداة
لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
تعبا وجوعا . قال المفسرون : قوله
مِنْ سَفَرِنا هذا
إشارة إلى سيرهما وراء الصخرة ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك . قال الفتى متعجبا
أَ رَأَيْتَ
ومفعوله محذوف لدلالة قوله :
فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ
عليه كأنه قال : أرأيت ما دهاني ووقع لي .
إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ
قيل : هي الصخرة التي دون نهر الزيت
فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ
عليها ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال :
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ
و
أَنْ أَذْكُرَهُ
بدل الاشتمال من الهاء في
أَنْسانِيهُ
أي وما أنساني ذكره قال الكعبي : لو كان النسيان بخلق اللّه وإرادته لكان إسناد ذلك إلى اللّه تعالى أولى من إسناده إلى الشيطان إذ ليس له في وجوده سعي ولا أثر . قال القاضي : المراد بإنساء الشيطان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر ، لأن ذلك لا يصلح أن يكون